الغزالي

91

الأربعين في اصول الدين

وقال عيسى عليه السلام : « لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب مؤمن ، كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد » . وقال نبينا صلى اللّه عليه وسلم : « احذروا الدنيا ، فإنها أسحر من هاروت وماروت » . وقال عيسى عليه السلام : « يا معشر الحواريين ارضوا بدنيّ الدنيا مع سلامة الدين ، كما رضي أهل الدّنيا بدنيّ الدين مع سلامة الدنيا » . وقال عيسى عليه السلام للحواريين : « لأكل خبز الشعير بالملح الجريش « 1 » ولبس المسوح والنوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا والآخرة » . وروي أن عيسى - عليه السلام - كوشف بالدنيا فرآها في صورة عجوز شوهاء عليها من كل زينة ، فقال لها : كم نكحت ؟ فقالت : إني لا أحصيهم ، فقال يطلقونك أو ماتوا عنك ؟ فقالت : بل قتلت كلهم . فقال عيسى - عليه السلام - : عجبا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين . [ فصل في أن من ظن أنه يلابس الدنيا ببدنه ويخلو عنها بقلبه فهو مغرور ] اعلم أن من ظن أنه يلابس الدنيا ببدنه ويخلو عنها بقلبه فهو مغرور . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « مثل صاحب الدنيا كمثل الماشي في الماء ، هل يستطيع الذي يمشي في الماء ألا يبتلّ قدماه ؟ » . وكتب عليّ - رضوان اللّه عليه - إلى سلمان الفارسي - رضي اللّه عنه - : « مثل الدنيا مثل الحية ، يلين مسها ويقتل سمها ، فأعرض عما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها ، وضع عنك همومها ، لما أيقنت من فراقها ، وكن أسرّ ما تكون بها أحذر ما تكون منها ، فإن صاحبها كلما اطمأنّ منها إلى سرور أشخصه « 2 » عنه مكروه » . وقال عيسى - عليه السلام - : « مثل الدنيا مثل شارب ماء البحر ، كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله » واعلم أن من اطمأن إلى الدنيا وهو يتيقن أنه راحل عنها هو في غاية الحماقة ، بل مثل الدنيا مثل دار هيأها صاحبها ، وزينها لضيافة الواردين والصادرين ، فدخل واحد داره فقدم إليه طبقا من ذهب عليه بخور وريحان ليشمها ويتركه لمن يلحقه لا ليتملكه ، فجهل رسمه فظن أنه وهب ذلك له ، فلما تعلق به قلبه استرجع منه ، فضجر

--> ( 1 ) الجريش : ما طحن خشنا . ( 2 ) أشخصه : أزعجه .