الغزالي
9
الأربعين في اصول الدين
بالكلية ، ولم ينفوا القضاء والقدر عن اللّه تعالى بالكلية ، بل قالوا : أفعال العباد من اللّه من وجه ، ومن العبد من وجه . وللعبد اختيار في إيجاد أفعاله . واعلم أن قضاء اللّه تعالى على أربعة أوجه : قضاء الطاعات ، وقضاء المعاصي ، وقضاء النعم ، وقضاء الشدائد . والمذهب المستقيم في ذلك ، إذا قضى للعبد الطاعة فعليه أن يستقبله بالجهد والإخلاص حتى يكرمه اللّه بالتوفيق والهداية لقوله تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] . يعني الذين جاهدوا في طاعتنا وفي ديننا لنوفقنهم لذلك . وإذا قضى المعصية ، فعليه أن يستقبله بالاستغفار والتوبة والندامة من صميم الفؤاد ، لقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [ البقرة : 222 ] . وإذا قضى النعمة ، فعليه أن يستقبله بالشكر والسخاء حتى يكرمه بالزيادة ، لقوله تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] . وإذا قضى الشدة ، فعليه أن يستقبله بالصبر والرضاء حتى يعطيه الكرامة في الدار الآخرة ، لقوله تعالى : « إن اللّه يحبّ الصّابرين » « 1 » وقال : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزمر : 10 ] . وذكر الفاضل الإمام مولانا علاء الدين في شرحه للمصابيح : « الفرق بين القضاء والقدر ، هو أن القضاء وجود جميع الموجودات في اللوح المحفوظ ، إجمالا لا تفصيلا ، والقدر هو تفصيل قضائه السابق بإيجادها في المواد الخارجية واحدا بعد واحد . وقيل القضاء هو الإرادة الأزلية ، والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص ، والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها الخاصة . ثم إن المسلمين في القدر على اختلاف : منهم من ذهب إلى أن كلّ ما يجري في العالم من الخير والشرّ والأفعال والأقوال بقضاء اللّه وقدره ، ولا اختيار للعباد فيه ، ويسمى هذا القوم جبرية . والجبر هو القهر والإكراه ؛ فيقولون : أجبر اللّه عباده على أقوالهم وأفعالهم من غير اختيار منهم فيها ؛ ويزعمون أن إضافتها إليهم إضافتها إلى الجمادات ؛ في مثل قولنا : دارت الرحا وجرى الميزاب . وهذا المذهب باطل ؛ لأنهم قالوا هذا القول ليسقطوا من أنفسهم التكاليف ، وشبهوا أنفسهم بالصبيان والمجانين في عدم جريان الخطاب بهم ، فقد كفروا ؛ لأن مذهبهم يفضي إلى إبطال الكتب والرسل . وإن قالوا
--> ( 1 ) لفظ الآية 146 من سورة آل عمران : وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ .