الغزالي
85
الأربعين في اصول الدين
[ فصل لم كان طلب الرفعة مذموما ] لعلك تقول : فإذا كان كذلك ، فلم كان طلب الرفعة مذموما وهو من نتائج العقل وخواص الروح المناسبة للأمور الربانية ؟ . فاعلم أن الرفعة الحقيقية طلبها محمود غير مذموم ، إذ مطلوب الكل هو القرب من اللّه تعالى ، وذلك هو الرفعة والكمال إذ هو عزّ لا ذل فيه ، وغنى لا فقر معه ، وبقاء لا فناء بعده ، ولذة لا كدورة لها ؛ وطلب ذلك محمود ؛ وإنما المذموم طلب الكمال الوهمي دون الحقيقي ، والكمال الحقيقي يرجع إلى العلم والحرية والقدرة ؛ وهو أن لا يكون مقيدا بغيره . ولا يتصور للعبد حقيقة القدرة ، فإن قدرته إنما تكون بالمال والجاه ، وذلك كمال وهميّ ، فإنه أمر عارض لا بقاء له ، ولا خير فيما لا بقاء له ، بل قيل : أشدّ الغمّ عندي في سرور * تيقّن عنه صاحبه انتقالا كيف ، وهذه القدرة العارضة مع سرعة انقضائها بالموت وبآفاتها قبله ، لا تصفو من الكدورات ! فمن توهمها كمالا فقد زل ، بل الكمال في الباقيات الصالحات التي تنال بها القرب من اللّه سبحانه ، ولا تزول بالموت ، بل تتضاعف تضاعفا غير محدود . وذلك هو المعرفة الحقيقية بذات اللّه تعالى ، وصفاته وأفعاله ، وهو العلم بكل الموجودات ؛ إذ ليس في الوجود إلا اللّه تعالى وأفعاله . لكن قد ينظر فيها الناظر لا من حيث إنها أفعال اللّه تعالى ، كالذي ينظر في التشريح لغرض الطب ، أو ينظر في هيئة العالم لمعرفة الاستدلال بأحكام النجوم ، فهذا لا قدر له . ومن الكمال الحقيقي الحرية ، وهو انقطاع علاقتك عن جميع علائق الدنيا ، بل عن كل ما يفارقك بالموت ، والاقتصار في الالتفات إلى لازمك الذي لا بدّ لك منه ، وهو اللّه تعالى . كما أوحى اللّه إلى داود : « يا داود ! أنا بدّك « 1 » اللازم فالزم بدّك » . فالعلم والحرية من الباقيات الصالحات ، وهما كمالان حقيقيّان ؛ والمال والبنون زينة الحياة الدنيا ، وهما كمالان وهميان . والمنكوسون هم الذين عكسوا الحقيقة ، فأعرضوا عن طلب الكمال الحقيقي ، واشتغلوا بطلب الكمال الوهميّ ، وهم الذين يحترقون عند الموت بنيران الحسرة إذ يشاهدون
--> ( 1 ) بدّ بكسر الباء : المثيل والنظير ، وبدّ بضمها : العوض أو النصيب .