الغزالي
77
الأربعين في اصول الدين
إليه . لا سيما إذا طوّل اللسان فيه ، فإنه مظلوم من الحاسد ، فقد طلب الحاسد زوال نعمة الدنيا منه ، فأضاف إليه نعمة الآخرة وحصل لنفسه مع عذاب الدنيا عذاب الآخرة ، فهو كمن رمى عدوه بحجر فلم يصب عدوه ، وعاد إلى عينه فأعماها ، وزادت عليه شماتة عدوه إبليس ، فإنه فاتته النعمة وفاته الرضاء بالقضاء ، ولو رضي به لكان فيه ثواب ، لا سيما إذا حسد على العلم والورع ، فإن محب العلم يعظم ثوابه . وأما العلاج العملي : فهو أن يعرف حكم الحسد وما يتقاضاه من قول وفعل ، فيخالفه ويعمل بنقيضه ، فيثني على المحسود ، ويظهر الفرج بنعمته ، ويتواضع له ؛ وبذلك يعود المحسود صديقا له ، ويزايله الحسد ، ويتخلص من إثمه وألمه ، قال اللّه تعالى : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [ فصلت : 34 ] . فصل لعلّ نفسك لا تطاوعك على التسوية بين عدوك وصديقك ، بل تكره مساءة الصديق دون العدوّ ، وتحب نعمة الصديق دون العدوّ . ولست مكلفا بما لا تطيق ، فإن لم تقدر على ذلك فتتخلص من الإثم بأمرين : أحدهما ، أن لا تظهر الحسد بلسانك وجوارحك وأعمالك الاختيارية ، بل تخالف موجبها . والثاني ، أن تكره من نفسك حبّها زوال نعمة اللّه تعالى عن عبد من عباده . فإذا اقترنت الكراهة عن باعث الدين بحب زوال النعمة التي اقتضاه الطبع ، اندفع عنك الإثم . وليس عليك تغيير الطبع ، فإن ذلك لا تقدر عليه في أكثر الأحوال . وعلامة الكراهية أن تكون بحيث لو قدرت على إزالة نعمته لم تقدم على الإزالة مع حبك لها ، ولو قدرت على معونته في دوام نعمته أو في زيادتها فعلت مع كراهيتك لذلك . فإذا كنت كذلك ، فلا إثم عليك فيما يتقاضاه طبعك ، فإن الطبع إنما يصير مقهورا في حق المستهتر باللّه ، الذي انقطع نظره عن الدنيا وعن الخلق ؛ بل علم أنّ المنعم عليه إن كان في النار فما تنفع هذه النعمة ، وإن كان في الجنة فأي نسبة لهذه النعمة إلى الجنة ؛ بل يرى كلّ الخلق عباد اللّه تعالى فيحبهم لأنهم عباد لمحبوبه . ويحب أن يظهر أثر نعمة محبوبه على عباده ، وهذه حالة نادرة لا تدخل تحت التكليف .