الغزالي

72

الأربعين في اصول الدين

الغيبة أسرع في حسنات العبد من النار في اليبس » . وورد أن حسنات المغتاب تنقل إلى ديوان المظلوم بالغيبة ، فينظر في قلة حسناته وكثرة غيبته ، وأنه ينتهي إلى إفلاسه على القرب ، ثم يتفكر في عيوب نفسه ، فإن كان فيه عيب فيشتغل عن غيره ، وإن كان قد ارتكب صغيرة فيعلم أن ضرره من صغيرة نفسه أكثر من ضرره من كبيرة غيره ، وإن لم يكن فيه عيب ، فيعلم أن جهله بعيوب نفسه أعظم عيب . ومتى يخلو الإنسان من عيب ؟ ثم إن خلا منه فليشكر اللّه تعالى بدلا من الغيبة ، فإن ثلب الناس وأكل لحم الميتة ، من أعظم العيوب ، فليحذر منه . ثم مهما سبق لسانه إلى الغيبة ، فينبغي أن يستغفر اللّه تعالى ، ويذهب إلى المغتاب ويقول : ظلمتك فاعف عني ! فيستحله ؛ فإن لم يصادفه فليكثر من الثناء عليه ، ومن الدعاء له ، ومن الحسنات ، حتى إذا نقل بعضها إلى ديوان المظلوم ، بقي له ما يكفيه ؛ فهي كفّارة الغيبة . الآفة الثالثة المراء والمجادلة : قال صلى اللّه عليه وسلم : « من ترك المراء وهو محقّ بني له بيت في أعلى الجنة ، ومن تركه وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة » وهذا لأن الترك على المحق أشد . وقال عليه السلام : « لا يستكمل العبد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وهو محق » . وحدّ المراء هو الاعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه ، إما في اللفظ ، وإما في المعنى . والباعث عليه تارة الترفع بإظهار الفضل ، وسببه خبث الرعونة ، وإما السّبعية « 1 » التي في الطبع المتشوفة إلى تنقيص الغير وقهره . فالمراء والمجادلة تقوية لهذين الخبيثين المهلكين ، بل الواجب أن يصدّق ما سمعه من الحق ، ويسكت عما سمعه من الخطأ ، إلا إذا كان في ذكره فائدة دينية ، وكان يسمع منه ، فيذكره برفق لا بعنف . الآفة الرابعة المزاح : والإفراط فيه يكثر الضحك ، ويميت القلب ، ويورث الضغينة ، ويسقط المهابة والوقار ؛ قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلساءه فيهوي بها أبعد من الثريا » . وقال عليه السلام : « لا تمار أخاك ولا تمازحه » . واعلم أن اليسير منه في بعض الأوقات لا بأس به ، لا سيما مع النساء والصبيان تطييبا لقلوبهم ، نقل ذلك عن رسول

--> ( 1 ) السبعية : نسبة إلى السّبع ، وهي الطبيعة الحيوانية .