الغزالي

70

الأربعين في اصول الدين

مصرّا عليها فهو أول من يدخل النار » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون وجوههم بأظفارهم ، فقيل لي : هؤلاء الذين كانوا يغتابون الناس » . واعلم أن حدّ الغيبة - كما بيّنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه ، وإن كنت صادقا ، سواء ذكرت نقصانا في نفسه ، أو عقله ، أو ثوبه ، أو فعله ، أو قوله ، أو داره ، أو نسبه ، أو دابته ، أو شيئا مما يتعلق به ، حتى قولك إنه واسع الكم ، أو طويل الذّيل ؛ حتى ذكر عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجل فقيل : ما أعجزه ، فقال عليه السلام : « اغتبتموه » . وأشارت عائشة - رضي اللّه عنها - بيدها إلى امرأة أنها قصيرة ، فقال عليه السلام : « اغتبتها » . فبهذا يعلم أن الغيبة لا تقتصر على اللسان ، بل لا فرق بين أن يحصل التفهيم باليد أو بالرمز أو بالإشارة أو بالحركة أو بالمحاكاة أو التّعريض المفهم ، كقولك : إن بعض أقربائنا وبعض أصدقائنا كذا كذا . واعلم أن أخبث أنواع الغيبة غيبة القرّاء ، يقولون مثلا : الحمد للّه الذي لم يبتلنا بالدخول على السلطان لطلب الدنيا ؛ أو : نعوذ باللّه من قلة الحياء ؛ وهم يفهمون المقصود بذلك ، يقولون : ما أحسن أحوال فلان لولا أنه بلي بمثل ما ابتلي به أمثالنا ، وهو قلة الصبر عن الدنيا ، فنسأل اللّه تعالى أن يعافينا ؛ وغرضهم بذلك الغيبة ، فيجمعون بين الغيبة والرياء ، وإظهار التشبه بأهل الصّلاح في الحذر من الغيبة . وهذه خبائث يغترّون بها وهم يظنون أنهم تركوا الغيبة . وكذلك قد يغتاب واحد فيغفل عنه الحاضرون فيقول : سبحان اللّه ما أعجب هذا ، حتى ينتبه القوم إلى الإصغاء ، فيستعمل ذكر اللّه في تحقيق خبثه ، ويقول : قلبي مشغول بفلان تاب اللّه علينا وعليه ، وليس غرضه الدعاء بل التعريف ؛ ولو قصد الدعاء لأخفاه ، ولو اغتمّ قلبه لأجله لكتم عيبه ومعصيته . وكذلك المستمع ، قد يظهر تعجبا من كلام المغتاب حتى يزيد نشاطه في الغيبة ؛ والمستمع أحد المغتابين ، كذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فكيف إذا حرّك نشاطه بالتعجب ! وكذلك قد يقول : دع غيبة فلان ؛ وهو بقلبه غير كاره لغيبته ، إنما غرضه أن يعرف بالتورع ؛ وذلك لا يخرجه عن إثم الغيبة ما لم يكرهها بقلبه ويورطه في إثم الرياء ، بل يخرج من الإثم بأن يكرهه قلبه ، ويكذب المغتاب ولا يصدّقه عليه ، لأنه فاسق يستحق التكذيب .