الغزالي

50

الأربعين في اصول الدين

الناس منزلة عند اللّه يوم القيامة من يكرمه الناس اتقاء فحشه » ؛ وقال صلى اللّه عليه وسلم : « ما وقى المرء به عرضه فهو له صدقة » ؛ وقال صلى اللّه عليه وسلم : « خالطوا الناس بأعمالهم ، وزايلوهم « 1 » بالقلوب » . ومنها : أن تحذر مجالسة الأغنياء ، وتكثر مجالسة المساكين ؛ قال صلى اللّه عليه وسلم : « إياكم ومجالسة الموتى » ، قيل : ومن هم ؟ قال : « الأغنياء » ؛ وقال صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم أحيني مسكينا ، وأمتني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين » . وكان سليمان - عليه السلام - إذا رأى في المسجد مسكينا جلس إليه وقال : « مسكين جالس مسكينا » وقال موسى - عليه السلام - : « إلهي أين أطلبك ؟ قال : عند المنكسرة قلوبهم من أجلي » . ومنها : أن لا يجالس إلا من يفيده في الدين فائدة ، أو من يستفيد منه ، فأما أهل الغفلة « 2 » فيتحذر منهم ؛ قال صلى اللّه عليه وسلم : « الوحدة خير من الجليس السوء ، والجليس الصالح خير من الوحدة » . فإذا أكثر من مجالسة أهل الغفلة فينتقص من دينه بكل جلسة شيء ، فليقدر أن كل واحد منهم لو كان يأخذ منه في كل جلسة سلكا من ثوبه ، أو شعرة من شعر لحيته ، أما كان يحذره خيفة أن يصير على القرب أمرد عاريا ؟ فالحذر لأجل الدين أولى . ومنها : أن يعود مرضاهم ، ويشيّع جنائزهم ويزور قبورهم ، ويدعو لهم في الغيبة ، ويشمّت « 3 » العاطس ، وينصف الناس من نفسه ، وينصح إذا استنصح ، إلى غير ذاك من حقوق كثرت فيها الأخبار ، آثرنا فيها الاختصار ، وجملتها : أن تعمل في حقهم ، ما تحب أن يعمل في حقك من إحسان واهتمام وكفّ أذى . الحالة الثالثة : الصحبة مع من يدلي - سوى عموم الإسلام - بخاصية ، كجوار أو قرابة أو ملك ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « إذا رميت كلب جارك فقد آذيته » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أول خصمين يوم القيامة جاران » ، وقيل له صلى اللّه عليه وسلم : « إن فلانه تصوم النهار وتصلي الليل وتؤذي الجيران فقال : « هي في النار » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أتدرون ما حقّ الجار ؟ إن استعان أعنته ، وإن استقرضك أقرضته ، وإن افتقر جدت عليه ، وإن مرض عدته ، وإن مات اتبعت جنازته ، وإن أصابه خير هنأته ، وإن أصابته مصيبة عزّيته ، ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجب عنه

--> ( 1 ) زايلوهم : فارقوهم . ( 2 ) أهل الغفلة : الذين لا يرجى خيرهم ولا يخشى شرهم . ( 3 ) يشمت العاطس : يدعو له بقوله : « يرحمك اللّه » .