الغزالي
40
الأربعين في اصول الدين
فصل اعلم أن طيب المطعم له خاصية عظيمة في تصفية القلب وتنويره وتأكيد استعداده لقبول أنوار المعرفة ، وفيه سر لا يحتمل هذا الكتاب ذكره ؛ ولكن ينبغي أن تفهم أن درجات الورع أربع : الدرجة الأولى : هي التي يجبّ « 1 » الفسق باقتحامها ، وتزول العدالة بزوالها ، وهي التي يحرمها فتوى الفقهاء . الثانية : ورع الصالحين ؛ وهو الحذر عما يتطرق إليه احتمال التحريم ، وإن أفتى المفتي بحله بناء على الظاهر ، وهو الذي قال فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » . الثالثة : ورع اليقين ؛ قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا يبلغ العبد درجة المتّقين حتى يترك ما لا بأس به حذارا ومخافة مما به بأس » . وقال عمر - رضي اللّه عنه - : « كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام » . ومن هذا الأصل كان بعضهم إذا استحق مائة درهم اقتصر على تسعة وتسعين ، ويترك الواحد حاجزا بينه وبين النار لخوف الزيادة ، وكان بعضهم يأخذ ما يأخذ بنقصان حبة ، ويعطي ما يعطي بزيادة حبة ؛ ولذلك أخذ عمر بن عبد العزيز - رحمة اللّه عليه - أنفه حذرا من ريح المسك لبيت المال كان يوزن بين يديه ، وقال : « هل ينتفع إلا بريحه ؟ » ، ومن ذلك أن يتورع عن الزينة وأكل الشهوات ، خيفة من أن تغلب النفس فتدعوه إلى الشهوات المحظورة . ومن ذلك ترك النظر إلى تجمل أهل الدنيا ، فإنه يحرك دواعي الرغبة في الدنيا ؛ ولذلك قال اللّه تعالى : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ طه : 131 ] . ولذلك قال عيسى ابن مريم - عليه السلام - : « لا تنظروا إلى أموال أهل الدنيا ، فإن بريق أموالهم يذهب بحلاوة إيمانكم » . ولذلك قال السلف : « من رقّ ثوبه رق دينه » . فالحلال الطلق الطيب كل حلال انفكّ عن مثل هذه المخافة ولم يوجد فيها . الرابعة : ورع الصدّيقين ، وهو الحذر عن كل ما لا يراد بتناوله القوة على طاعة اللّه تعالى إذا كان قد يتطرق إلى بعض أسبابها معصية . فمن ذلك ما حكي أن ذا النون
--> ( 1 ) يجبّ : يقطع .