الغزالي
38
الأربعين في اصول الدين
العباد ، ومؤولة في حقه سبحانه ، كالصبور والشكور والرحيم والمنتقم . وإلى ما هو حقيقة في حقه سبحانه ، وإذا استعمل في حق غيره كان مجازا . فمن أفضل الأذكار : « لا إله إلّا اللّه الحيّ القيّوم » فإن فيه اسم اللّه الأعظم ، إذ قال صلى اللّه عليه وسلم : « اسم اللّه الأعظم في آية الكرسي وأول آل عمران » ولا يشتركان إلا في هذا ، وله سرّ يدقّ « 1 » عن فهمك ذكره . والقدر الذي يمكن الرمز إليه أن قولك : « لا إله إلا اللّه » يشعر بالتوحيد ، ومعنى الوحدانية في الذات والرّبّيّة حقيقي في حق اللّه عز وجل ، غير مؤوّل بل هو في حق غيره مجاز ومؤوّل . وكذلك الحي فإن معنى الحي هو الذي يشعر بذاته ويعلم ذاته ، والميت هو الذي لا خبر له من ذاته ، وهذا أيضا حقيقي للّه تعالى ، غير مؤوّل ، والقيوم : يشعر بكونه قائما بذاته ، وأن كل شيء قوامه به ؛ وهذا أيضا حقيقي للّه عز وجل غير مؤوّل ، ولا يوجد لغيره . وما عداها من الأسماء الدالة على الأفعال كالرحيم والمقسط والعدل وغيره ، فهو دون ما يدل على الصفات ؛ لأن مصادر الأفعال هي الصفات ، والصفات أصل ، والأفعال تبع . وما عداها من الصفات التي تدل على القدرة والعلم والإرادة والكلام والسمع والبصر ، فذلك مما يظن أن الثابت منها للّه عز وجل مفهوم من ظواهرها . وهيهات ، فإن المفهوم من ظواهرها أمور تناسب صفات الإنسان وكلامه وقدرته وعلمه وسمعه وبصره ، بل لها حقائق يستحيل ثبوتها للإنسان ، فيستخرج من هذه الأسامي بنوع من التأويل . فهذا ينبهك على ما يحتمله فهمك من اختصاص هذه الكلمات بكونها أعظم ، ويقرب منه قولك : « سبحان اللّه والحمد للّه ، ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر » لأن « سبحان اللّه » للتقديس ، وهو حقيقي في حقه ؛ فإن القدس الحقيقي لا يتصور إلّا له تعالى . وقولك : « الحمد للّه » يشعر بإضافة النعم كلها إليه ، وهو حقيقي ، إذ هو المنفرد بالأفعال كلها تفردا حقيقيا بلا تأويل ، وهو - تبارك وتعالى - المستوجب الحمد وحده ، إذ لا شركة لأحد معه في فعله أصلا ، كما لا شركة للقلم مع الكاتب في استحقاق المحمدة عند حسن الحظّ . واعلم أن كل من سواه ممن ترى منه نعمة ، فهو تعالى مسخر له كالقلم ، فهذا مثال ينبهك على تفرده باستحقاق الحمد . وقولك : « لا إله إلا اللّه » ، فقد عرفت أنه
--> ( 1 ) يدق : يغمض ، يخفى .