الغزالي

25

الأربعين في اصول الدين

واعلم أن الصوم ، بالإضافة إلى مقداره ، على ثلاث درجات ، وبالإضافة إلى أسراره ، على ثلاث درجات . أما درجات مقداره : فأقلها الاقتصار على شهر رمضان ، وأعلاها صوم داود عليه السلام ، وهو أن تصوم يوما وتفطر يوما ؛ ففي الخبر الصحيح ، أن ذلك أفضل من صوم الدهر ، وأنه أفضل الصيام . وسرّه أن من صام الدهر صار الصوم له عادة ، فلا يحس بوقعه في نفسه بالانكسار ، وفي قلبه بالصفاء ، وفي شهواته بالضعف ، فإن النفس إنما تتأثر بما يرد عليها لا بما مرنت « 1 » عليه ، فلا يبعد هذا ، فإن الأطباء أيضا ينهون عن اعتياد شرب الدواء ، وقالوا : « من تعود ذلك لم ينتفع به إذا مرض ، إذ يألفه مزاجه فلا يتأثر به » . واعلم أن طب القلوب قريب من طب الأبدان ، وهو سر قوله صلى اللّه عليه وسلم لعبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما - لما كان يسأله عن الصوم ، فقال عليه السلام : « صم يوما وأفطر يوما » . فقال : « أريد أفضل من ذلك » . فقال عليه السلام : « لا أفضل من ذلك » - ولذلك لما قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن فلانا صام الدهر » ، فقال عليه السلام : « لا صام ولا أفطر » . كما قالت عائشة - رضي اللّه عنها - لرجل كان يقرأ القرآن بهذرمة « 2 » : « إن هذا ما قرأ القرآن ولا سكت » . وأما الدرجة المتوسطة فهو أن تصوم ثلث الدهر . ومهما صمت الاثنين والخميس وأضفت إليه رمضان ، فقد صمت من السنة أربعة أشهر وأربعة أيام ، وهو زيادة على الثلث ؛ لكن لا بد أن ينكسر يوم من أيام التشريق ، وترجع الزيادة إلى ثلاثة أيام ؛ ويتصور أن ينكسر في العيدين يومان فتكون ثلاثة أيام ، فترجع الزيادة إلى يوم واحد ، فتأمل حسابه تعرفه . فلا ينبغي أن ينقص من هذا القدر صومك ، فإنه خفيف على النفس ، وثوابه جزيل . وأما درجات أسراره فثلاث : أدناها أن يقتصر على الكفّ عن المفطرات ، ولا يكف جوارحه عن المكاره ؛ وذلك صوم العموم وهو قناعتهم بالاسم . الثانية : أن تضيف إليه كف الجوارح ، فتحفظ اللسان عن الغيبة والعين عن النظر بالزينة وكذا سائر

--> ( 1 ) مرنت : اعتادت وألفت . ( 2 ) الهذرمة : الإسراع في القراءة والكلام .