الغزالي
20
الأربعين في اصول الدين
في قوته إلا إدراك الجليات إن بقي . فاشتغل بجلاء قلبك وتصفيته ، فذلك أوجب عليك من كل ما أنت فيه ! . المحافظة الثانية : أن تحافظ على سنن الصلاة وأعمالها الظاهرة ، وأذكارها وتسبيحاتها ، حتى تأتي فيها بجميع السنن والآداب والهيئات ، كما جمعناها في كتاب بداية الهداية ، فإن لكل واحد منها سرّا ، وله تأثير في القلب كما نبهنا عليه في تأثير الطهارة ، بل أشدّ وأبلغ ، وشرح ذلك يطول . وأنت إذا أتيت بذلك انتفعت به وإن لم تعلم أسراره ، كما ينتفع شارب الدواء بشربه ، وإن لم يعرف طبائع أخلاطه ووجوه مناسبته لمرضه . واعلم أن الصلاة صورة صوّرها ربّ الأرباب ، كما صور الحيوان مثلا ؛ فروحها النية والإخلاص وحضور القلب ، وبدنها الأعمال ، وأعضاؤها الأصلية الأركان ، وأعضاؤها الكمالية الأبعاض « 1 » فالإخلاص والنية فيها يجري مجرى الروح ، والقيام والقعود يجري مجرى البدن ، والركوع والسجود يجري مجرى الرأس واليد والرجل ، وإكمال الركوع والسجود والطمأنينة وتحسين الهيئة يجري مجرى حسن الأعضاء وحسن أشكالها وألوانها ، والأذكار والتسبيحات المودعة فيها تجري مجرى آلات الحس المودعة في الرأس والأعضاء كالعينين والأذنين وغيرهما ، ومعرفة معاني الأذكار وحضور القلب عندها يجري مجرى قوة الحس المودعة في آلات الحسّ كقوة السمع وقوة البصر والشم والذوق واللمس في معادنها . واعلم أن تقرّبك بالصلاة ، كتقرب بعض خدم السلطان بإهداء وصيفة إلى السلطان . واعلم أن فقد النية والإخلاص من الصلاة كفقد الروح من الوصيفة ، والمهدي للجيفة الميتة مستهزئ بالسلطان ، فيستحق سفك الدم ، وفقد الركوع والسجود يجري مجرى فقد الأعضاء ، وفقد الأذكار يجري مجرى فقد العينين من الوصيفة ، وجدع الأنف والأذنين وعدم حضور القلب في غفلته عن معرفة معاني القرآن والأذكار كفقد السمع والبصر مع بقاء جرم الحدقة والأذن . ولا يخفى عليك أن من أهدى وصيفة بهذه الصفة ، كيف يكون حاله عند السلطان ؟ . واعلم أن قول الفقيه في الصلاة
--> ( 1 ) الأبعاض : جمع بعض ، وهو الجزء من الشيء .