الغزالي

114

الأربعين في اصول الدين

زعم المنجم والطبيب كلاهما * لا تحشر الأموات قلت إليكما إن صحّ قولكما فلست بخاسر * إن « 1 » صحّ قولي فالخسار عليكما فإن قلت : إني أعلم ضرورة صدق هؤلاء ، فإن الموت عدم وأنه لا عقاب ولا ثواب ، فإن الأنبياء والأولياء مغرورون أو ملبّسون ، وإنما الذي انكشفت له حقيقة الحق هو هذا الطبيب الجاهل ، وزعمت أني أعلم ذلك كما أعلم أن الاثنين أكثر من الواحد حتى لا يخالجني فيه ريب ، فيدل هذا على فساد المزاج وركاكة العقل والبعد عن قبول العلاج . ولكن مع هذا يقال لك : إن كنت تطلب الراحة في الدنيا فقد يتقاضاك عقلك أيضا مجاهدة الشهوات وكسرها ؛ فإن الراحة في الحرية ، والخلاص في كسر الشهوات لا في اتباعها ، فإنها إذا سلطت على النفس فهي آلام ناجزة تحمل النفس على احتمال كل ذلّ ومشقة ، وما المستريح في الدنيا إلا تاركها والزاهد فيها ، وأما طالبها فلا يزال منها في عناء . فالمعطل أيضا - إن عقل قليلا - ترك الدنيا لكثرة عنائها وسرعة فنائها وخسة شركائها . فإن لم تكن في أمر الآخرة على تخمين ، ولا من مشاهدة آفات الدنيا على يقين ، فما أنت إلا من الحمقى المغرورين ، ولتعلمنّ نبأه بعد حين ، ولذلك قال اللّه تعالى : ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [ الحجر : 3 ] .

--> ( 1 ) في رواية « أو » .