الغزالي
11
الأربعين في اصول الدين
مشدود أحد طرفيه في هذه الآلة المجوفة ، وطرفه الآخر في أسفل ظرف صغير موضوع فوق الآلة المجوفة ، وفيه كرة وتحته طاس ، بحيث لو سقطت الكرة وقعت في الطاس وسمع طنينها ، ثم تثقب أسفل الآلة الأسطوانية ثقبا بقدر معلوم ينزل الماء ، منه قليلا قليلا ، فإذا انخفض الماء انخفضت الآلة المجوفة الموضوعة على وجه الماء ، فامتد الخيط المشدود بها فحرك الطرف الذي فيه الكرة تحريكا يقربه من الانتكاس إلى أن ينتكس ، فتتدحرج منه الكرة وتقع في الطاس وتطنّ ، وعند انقضاء كلّ ساعة تقع واحدة ؛ وإنما يتقدر الفصل بين الوقعتين بتقدير خروج الماء وانخفاضه ، وذلك بتقدير سعة الثقب الذي يخرج منه الماء ، ويعرف ذلك بطريق الحساب ؛ فيكون نزول الماء بمقدار مقدر معلوم ، بسبب تقدير سعة الثّقبة بقدر معلوم ، ويكون انخفاض أعلى الماء بذلك المقدار وبه يتقدر ، وانخفاض الآلة المجوفة وانجرار الخيط بها المشدود ، وتولد الحركة في الظرف الذي فيه الكرة ؛ وكل ذلك يتقدر بتقدّر سببه ، ولا يزيد لا ينقص . ويمكن أن يجعل وقوع الكرة في الطاس سببا لحركة أخرى ، وتكون الحركة الأخرى سببا لحركة ثالثة ، وهكذا إلى درجات كثيرة ، حتى تتولد منها حركات عجيبة مقدرة بمقادير محدودة ، وسببها الأول نزول الماء بقدر معلوم . فإذا تصورت هذه الصورة ، فاعلم أن واضعها يحتاج إلى ثلاثة أمور : أوّلها التدبير ، وهو الحكم بأنه ما الذي ينبغي أن يكون من الآلات والأسباب والحركات حتى يؤدي إلى حصول ما ينبغي أن يحصل ؛ وذلك هو الحكم . والثاني إيجاد هذه الآلات التي هي الأصول ، وهي الآلة الأسطوانية لتحوي الماء ، والآلة المجوفة لتوضع على وجه الماء ، والخيط المشدود بها ، والظرف الذي فيه الكرة والطاس الذي تقع فيه الكرة ؛ وذلك هو القضاء . الثالث نصب سبب يوجب حركة مقدرة محسوبة محدودة ، وهو ثقب أسفل الآلة ثقبة مقدرة السّعة ، ليحدث بنزول الماء منها حركة في الماء تؤدي إلى حركة وجه الماء بنزوله ، ثم إلى حركة الآلة المجوفة الموضوعة على وجه الماء بنزوله ، ثم إلى حركة الخيط ، ثم إلى حركة الظرف الذي فيه الكرة ، ثم إلى حركة الكرة ، ثم إلى الصدمة بالطاس - إذا وقع - ثم إلى الطنين الحاصل منها ، ثم إلى تنبيه الحاضرين واستماعهم ، ثم إلى حركاتهم في الاشتغال بالصلوات والأعمال عند معرفتهم بانقضاء الساعة ؛ وكل ذلك يكون بقدر معلوم ومقدار مقدر بسبب تقدر جميعها بقدر الحركة الأولى ، وهي حركة الماء .