الغزالي

109

الأربعين في اصول الدين

أما قوّة العلم ، فاعتدالها وحسنها أن تصير بحيث يدرك بها الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال ، وبين الحق والباطل في الاعتقادات ، وبين الجميل والقبيح في الأعمال . فإذا انحصلت هذه القوة كذلك ، حصلت منها ثمرة الحكمة ، وهي رأس الفضائل ؛ قال اللّه عز وجل : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ، وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [ البقرة : 269 ] . وأما قوة الغضب فاعتدالها أن يحصل انقباضها وانبساطها على موجب إشارة الحكمة والشرع ، وكذلك قوة الشهوة . وأما قوة العدل فهي في ضبط قوة الغضب . وقوة الشهوة تحت إشارة الدين والعقل ، فالعقل منزلته منزلة الناصح ، وقوة العدل هي القدرة ، ومنزلتها منزلة المنفذ الممضي لإشارة العقل ، والغضب والشهوة ، وهما اللذان تنفّذ بهما الإشارة ، وهما كالكلب والفرس للصياد . فإن حسن بعض هذه دون بعض ، كان كما لو حسن بعض أعضاء الوجه ، فلا يطلق اسم الحسن له إلا إذا حسن الجميع واعتدل ، فإذا حسنت واعتدلت انشعب منه جميع الأخلاق . وأما قوة الغضب ، فيعبر عن اعتدالها بالشجاعة ، واللّه تعالى يحب الشجاعة ، وإن مالت إلى طرف الزيادة سميت تهوّرا ، وإن مالت إلى النقصان تسمّى جبنا . ويتشعب من اعتدالها : خلق الكرم ، والنجدة ، والشهامة ، والحلم ، والثبات ، وكظم الغيظ ، والوقار ، والتّؤدة . وأما إفراطها فيحصل منه : خلق التهوّر ، والصّلف ، والبذخ ، والاستشاطة ، والكبر ، والعجب . وأما تفريطها فيحصل منه : الجبن ، والمهانة ، والذلة ، والخساسة ، وعدم الغيرة ، وضعف الحمية على الأهل ، وصغر النفس . وأما الشهوة ، فيعبر عن اعتدالها بالعفة ، وعن إفراطها بالشّره ، وعن تفريطها وضعفها بالخمود ، فيصدر من العفة : السخاء ، والحياء ، والصبر ، والسماحة ، والقناعة ، والورع ، والمساعدة ، والظرف ، وقلة الطمع . ويصدر عن إفراطها : الحرص ، والشره ، والوقاحة ، والتبذير ، والتقتير ، والرياء ، والهتكة ، والمجانة ، والملق ، والحسد ، والشماتة ، والتذلل للأغنياء ، واستحقار الفقراء ، وغير ذلك . وأما قوة العقل ، فيصدر من اعتدالها : حسن التدبير ، وجودة الذهن ، وثقابة الرأي ، وإصابة الظن ، والتفطن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفس . وأما إفراطها فيحصل منه :