الغزالي
105
الأربعين في اصول الدين
فاعلم أن وارد الرياء لا يخلو إما أن يرد مع أول العمل ، أو في دوامه ، أو بعد الفراغ منه . أما ما يقارن الابتداء فيبطله ويمنع انعقاده إن صار باعثا مؤثرا في الحمل على العمل ، بل أول العقد يجب أن يكون خالصا ، وإنما يبطل بالرياء الباعث على أصل العمل . وأما إذا لم يحمل إلا على المبادرة في أول الوقت مثلا ، فأظن - والعلم عند اللّه تعالى - أن أصل الصلاة يصح ، وإنما تفوته فضيلة المبادرة ، ويعصي بقصد المراءاة به ، ولكن يقصد الفرض عنه . وأما ما يرد في دوام الصلاة - إن أبطل باعث الصلاة - فتبطل الصلاة ؛ مثاله : أن يحضر في أثناء الصلاة أوطاره . أو يتذكر نسيان شيء ، ولو خلا لقطع الصلاة ، لكنه أتمّ حياء من الناس ، فهذا لا يسقط الفرض عنه ، لأن النية قد انقطعت وانقطع باعث العبادة ؛ وأما إذا لم تنقطع نيته ، لكن صار مغلوبا مغمورا كما لو حضر قوم فغلب على قلبه الفرح باطلاعهم ، وانغمر باعث العبادة ، فغالب الظن أنه إن انقضى ركن ولم يعاوده الباعث الأصلي فسدت صلاته ؛ لأنّا نستصحب نية البداية بشرط أن لا يطرأ ما لو قارن ابتداءها لمنع . وإن لم ينغمر باعث العبادة ، ولكن حصل مجرد سرور ولم يؤثر في العمل ، بل في تحسين الصلاة فقط ، فغالب الظن أن الصلاة لا تفسد ويتأدّى الفرض . وأما ما يطرأ بعد الصلاة من ذكر وسرور ومراءاة فلا ينعطف على ما مضى ولكن يعصي به ويأثم ، ويكون عقابه بقدر قصده وإظهاره . ومهما ظهرت له داعية ذكر العبادة إما بالتصريح وإما بالتعريض ، فذلك يدل على أن الرياء كان خفيّا في باطنه . [ فصل في دفع الأسباب الباعثة عليه وهي ثلاث : حب المدح ، وخوف الذم ، والطمع ] إذا عرفت حقيقة الرياء ، وكثرة مداخلته ، فعليك بالتشمّر في معالجته . وعلاجه في دفع الأسباب الباعثة عليه وهي ثلاث : حب المدح ، وخوف الذم ، والطمع . أما حب المدح ، فكمن يهجم على صف القتال ليقال إنه شجاع ، أو يظهر العبادات ليقال إنه ورع . وعلاجه ما تقدم في علاج حبّ الجاه ، وهو أن تعلم أنه كمال وهميّ ، لا حقيقة له . وعلاجه في الرياء خاصة ، أن يقرر على نفسه ما فيه من الضرر ، فإن العسل - وإن كان لذيذا - فإذا علم أن فيه سمّا سهل تركه . فليقرّر على نفسه أنه يقال له في يوم فقره بسبب ريائه : يا فاجر يا غاوي استهزأت باللّه عز وجل وراقبت العباد وتحببت إليهم ، واشتريت حمدهم بذم اللّه تعالى ، وطلبت رضاءهم بسخطه ، أما كان أحد أهون عليك من اللّه تعالى ؟ فلو لم يكن إلا هذا الخزي والخجلة ، لكان كافيا في المنع عنه ،