فخر الدين الرازي
279
الأربعين في أصول الدين
بالكفر فهو في تلك الحالة يتصف بالظلم . فكان في ذلك الوقت موصوفا بأنه ظالم ، فوجب أن يصدق عليه في ذلك الوقت : أنه لا ينال عهد الإمامة . وقولنا بأنه لا ينال عهد الإمامة ، كلام يتناول الوقت الخاص الحاضر وجملة الأوقات المستقبلة ، بدليل صحة استثناء جميع الأوقات منه . فيقال : ان هذا الظالم والكافر ، لا ينال عهد الإمامة ، لا بعد كفره ولا بعد ظلمه . والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحت اللفظ . فثبت : أن الكافر حال ما كان موصوفا بكفره ، صدق عليه أنه لا ينال عهد الإمامة البتة في شيء من أوقات وجوده . لا حال كفره ولا بعد كفره . وإذا ثبت هذا ، ثبت أن كل من كفر بالله طرفة عين فإنه لا ينال عهد الإمامة ، بمقتضى هذه الآية . وثبت أن أبا بكر وعمر والعباس - رضي الله عنهم - كانوا قبل ظهور دين محمد عليه السلام على الكفر ، فوجب أن يخرجوا عن صلاحية الإمامة ، وإذا خرجوا عن هذه الصلاحية تعين على رضي الله عنه للإمامة . واعلم : أن هذه الآية كما دلت على أن عليا هو الامام بعد النبي عليه السلام ، فكذلك تدل على أنه لم يكفر طرفة عين بالله ، لأنه لو كان قد كفر بالله في أول عمره ، لزم بحكم هذه الآية أن لا يكون أهلا للإمامة . فثبت أيضا : أن أبا بكر والعباس ليسا أهلا للإمامة بمقتضى هذه الآية ، فيلزم خروج أبى بكر والعباس وعلى عن أهلية الإمامة ، ويكون اجماع الأمة على أن الامام بعد رسول الله أحد هؤلاء الثلاثة باطلا ، ولما كان الطعن في الاجماع فاسدا ، وثبت أن أبا بكر والعباس كانا قد كفرا بالله ، قبل ظهور دين محمد عليه السلام ، ثبت أن عليا رضي الله عنه لم يكفر بالله قط ، حتى لا يلزم الطعن في الاجماع . الشبهة التاسعة : التمسك بقوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا : اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ » ( التوبة 119 ) أمرنا بالكون مع الصادقين . والأمر بالكون مع الصادقين ، مشروط بوجود من يعلم قطعا أنه من الصادقين ، هو الّذي يعلم منه كونه واجب العصمة .