فخر الدين الرازي
276
الأربعين في أصول الدين
أنه لا يجوز أن تكون البيعة طريقا إلى ثبوت الإمامة ، وأما هاهنا فإنهم لا يقولون : البيعة لا يجوز أن تكون طريقا إلى الإمامة ، بل قالوا : هب أن البيعة يجوز أن تكون طريقا للإمامة ، الا أنه صحت « 1 » الدلالة على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نص على إمامة من يكون إماما بعده ، ثم يستنتج من هذا : أن ذلك المنصوص عليه لا بدّ وأن يكون هو عليا . وانما قلنا : انه عليه السلام نص على إمامة من كان إماما بعده لوجوه : الأول : أن النبي عليه السلام لم يخرج عن المدينة قط ، الا وقد استخلف عليها رجلا . وانما كان يفعل ذلك كيلا يختل أمر الرعية . وهذا المعنى بعد الموت أهم . لأن رعاية المصالح وقت الغيبة ، وان كانت شاقة الا أنها كانت ممكنة . أما رعايتها بعد الموت فغير ممكنة فلما لم يترك الرسول عليه السلام الاستخلاف وقت الغيبة القليلة ، فكيف يجوز أن يتركه وقت الغيبة العظمى - وهي الموت - الثاني : ان النبي عليه السلام قال : « انما أنا لكم مثل الوالد لولده ، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها » الحديث . فكما أنه يجب على الوالد المشفق رعاية مصالح أولاده حال حياته ، فكذا يجب عليه رعاية مصالحهم بعد مماته ، لئلا يضيعوا . ومعلوم أنه لو لم يستخلف ولم ينص على أحد ، لضاعوا في دينهم ودنياهم ، فوجب القطع بأنه نص على من يكون إماما بعده . الثالث : ان النبي صلى الله عليه وسلم بالغ في الشفقة على الأمة وفي ارشادهم إلى الأصلح : أن علمهم في كيفية الاستنجاء ثلاثين أدبا . ومن المعلوم أن المصالح المتعلقة بالإمامة التي هي أعظم المصالح في الدين والدنيا بعد الرسالة ، أعظم من سائر المصالح ، فلما علم
--> ( 1 ) الا أنا سنقيم الدلالة : ب