فخر الدين الرازي

257

الأربعين في أصول الدين

سائس ، يأمرهم بالأفعال الجميلة وينهاهم عن القبائح ، كان حال البلد في البعد عن التشويش والفساد ، والقرب من الانتظام والصلاح : أتم مما إذا لم يكن لهم مثل هذا الرئيس . والعلم به ضروري بعد استقراء العادات . فثبت : أن نصب الرئيس يقتضي اندفاع أنواع من المضار ، لا تندفع الا بنصبه . وإذا كان كذلك ، كان نصب هذا الرئيس دافعا للضرر عن النفس . وأما أن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الامكان ، فهذا متفق عليه بين العقلاء أما عند من يقول بالحسن والقبح العقليين ، فإنه يقول وجوب هذا معلوم في بداهة العقول . وأما عند من ينكر ذلك ، فإنه يقول : وجوب هذا ثابت باجماع الأنبياء والرسل وباتفاق جميع الأمم والأديان . فان قيل : كما أن في نصب هذا الرئيس هذه المصالح ، لكن فيه أنواع من المفاسد . منها : أنهم ربما يستنكفون عن طاعته ، فيزداد الفساد ومنها أنه ربما استولى عليهم فيظلمهم . ومنها أنه بسبب تقوية رئاسته يكثر الحرج ، فيفضى إلى أخذ الأموال من الضعفاء والفقراء . قلنا : لا نزاع في أن هذه المحذورات قد تحصل ، لكن كل عاقل يعلم أنه إذا قوبلت المفاسد الحاصلة من عدم الرئيس المطاع ، بالمفاسد الحاصلة من وجوده . فالمفاسد الحاصلة من عدمه ، أزيد بكثير من المفاسد الحاصلة من وجوده . وعند وقوع التعارض تكون العبرة بالرجحان . فان ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل ، شر كثير . فهذا ما في هذا المقام . وبيان المقام الثاني - وهو أنه لا يجب على الله نصب الإمام - فالخلاف فيه مع الإسماعيلية والاثنا عشرية ، على ما شرحناه . فنقول : الدليل على أنه غير واجب : أنه لو وجب على الله نصب الإمام ، لكان الواجب اما نصب امام يتمكن المكلف من الرجوع إليه والانتفاع به في