فخر الدين الرازي

228

الأربعين في أصول الدين

الرابع : ان هذه الآيات حجة عليكم من وجوه أخر . وذلك لأن الجزاء اسم لما يكفى . وإذا حكم الله بأن الحد الّذي يقام عليه في الدنيا جزاء ، وثبت أن الجزاء ما كان كافيا : كان ظاهر هذه الآية مانعا من إيصال العقاب إليه في الآخرة . فثبت : أن الترجيح الّذي ذكرتموه ، يبطل مذهبكم بالكلية . وأما الترجيح الثاني - وهو أن آيات الوعد عامة - فنقول : هذا ممنوع . وذلك لأن آيات الوعيد يدخل فيها الكافر والمؤمن من قبل التوبة ومن بعدها ، وآيات العفو مختصة بالمؤمن . فثبت : أن الآيات التي تمسكنا بها خاصة ، والآيات التي تمسكتم بها عامة . وأما الترجيح الثالث : فضعيف . لأن الرحمة مقصودة بالذات والتعذيب مقصود بالعرض . وترجيح ما هو مقصود بالذات على ما هو مقصود بالتبع والعرض أولى من العكس . هذا تمام الكلام في الجواب عن شبهات المعتزلة . وبالله التوفيق . الفصل الرابع في دلائلنا على العفو الحجة الأولى : الآيات الدالة على كون الله تعالى عفوا . كقوله تعالى : « وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ، وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ ، وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ » ( الشورى 25 ) وقوله تعالى : « وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » ( الشورى 30 ) وقوله : « وَمِنْ آياتِهِ : الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ » إلى قوله : « أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا . وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ » ( الشورى 32 - 34 ) وأيضا : أجمعت الأمة على أنه تعالى يعفو عن عباده ، وأجمعوا على أن من أسمائه العفو . إذا ثبت هذا فنقول : العفو اما أن يكون عبارة عن اسقاط العذاب عمن يحسن عقابه ، أو عمن لا يحسن عقابه .