فخر الدين الرازي
208
الأربعين في أصول الدين
أما الكافر فهو على قول أكثر الأمة يبقى مخلدا في النار . وأما العاصي الّذي ليس بكافر ، وكانت معصيته كبيرة . فللأمة فيه ثلاثة أقوال : أحدها : قول من قطع بأنه لا يعاقب . وهذا قول « مقاتل بن سليمان » وقول المرجئة الخالصة . وثانيها : قول من قطع بأنه يعاقب . وهو قول المعتزلة والخوارج . وثالثها : قول من لم يقطع بالعفو ولا بالعقاب . وهو قول أكثر الأمة - وهو المختار - أما المرجئة . فقد تمسكوا على صحة قولهم بوجوه « 1 » : الحجة الأولى : قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام : « إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا : أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى » ( طه 48 ) فهذه الآية صريحة في أن ماهية العذاب مختصة بمن كذب بالله تعالى ، وكان موليا عن دينه . ومن لم يكن مكذبا بالله ولا متوليا عن دينه ، لم يكن للعذاب به تعلق . والحجة الثانية : قوله تعالى : « كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ . سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ؟ قالُوا : بَلى . قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ . فَكَذَّبْنا ، وَقُلْنا : ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ » ( الملك 8 - 9 ) أخبر الله تعالى : أن كل فوج يدخل النار ، فإنهم يقولون : « قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ » ولكن كذبناه وهذا صريح في أن كل من دخل النار ، كان مكذبا بأنبياء الله تعالى ، فيقتضى أن من لم يكن كذلك ، لم يدخل النار . والحجة الثالثة : قوله تعالى : « فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى . لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى . الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى » ( الليل 14 - 16 ) ولا يقال : قوله تعالى : « فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى » نارا مخصوصة . وهي مختصة بالأشقى « الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى » فلم قلتم : ان سائر النيران لا يدخلها فساق أهل
--> ( 1 ) قولهم بآيات إحداها قوله . . الخ : الأصل