فخر الدين الرازي

190

الأربعين في أصول الدين

والثاني : انه سبحانه وتعالى جعل كتابتهم حجة للبشر في الطاعة ، وحجة عليهم في المعاصي . وذلك يقتضي أن يكون قولهم أولى بالقبول من قول البشر ، فلو كان البشر أعظم حالا منهم ، لكان الأمر بالعكس . ويقرب من هذا الدليل : « 5 » التمسك بقوله تعالى : « عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً . إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ، فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ، لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ » ( الجن 26 - 28 ) وأجمعوا على أن هذا الرصد هم الملائكة « 6 » . وهذا يدل على أن الأنبياء عليهم السلام لا يصيرون مأمونين من التخليط في الوحي ، الا بإعانة الملائكة وتقويتهم . وكل ذلك يدل على الفضل الظاهر . الحجة الحادية عشر : قوله تعالى : « آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ . وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ » ( البقرة 285 ) فبين تعالى : أنه لا بد في صحة الايمان من الايمان بهذه الأشياء ، فبدأ بنفسه وثنى بملائكته وثلث بكتبه وربع برسله . وكذا في قوله « شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ » ( آل عمران 18 ) وفي قوله : « إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ » ( الأحزاب 56 ) وقال اللّه تعالى : « اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا ، وَمِنَ النَّاسِ » ( الحج 75 ) . والتقديم في الذكر ، يدل على التقديم في الشرف . والدليل عليه : أن تقديم الأدون على الأشرف في الذكر ، قبيح عرفا ، فوجب أن يكون قبيحا شرعا أما أنه قبيح عرفا ، فلأن الشاعر لما قال : عميرة ودع أن تجهزت غازيا * كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا .

--> ( 5 ) التأويل : ا ( 6 ) انظر فصل الرصد والطلاسم في كتابنا علم السحر بين المسلمين وأهل الكتاب - نشر مكتبة الثقافة الدينية بمصر .