فخر الدين الرازي

123

الأربعين في أصول الدين

واعلم : أنا لما فرغنا من ذكر الدلائل الدالة على عصمة الأنبياء - عليهم السلام - فلنذكر الآن ما يدل على عصمة الملائكة - عليهم السلام - ويدل عليه وجوه : الحجة الأولى : قوله تعالى في صفة الملائكة : « يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ، وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ » [ النحل 50 ] قوله : « يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ » يتناول جميع الملائكة في فعل جميع المأمورات ، وترك جميع المنهيات . لأن كل ما نهى عن فعله ، فقد أمر بتركه . الحجة الثانية : قوله : « يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ، لا يَفْتُرُونَ » [ الأنبياء 20 ] ومن صفته كذا لا يصدر عنه الذنب . الحجة الثالثة : قوله تعالى في صفة الملائكة : « بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ » [ الأنبياء 26 - 27 ] الحجة الرابعة : الملائكة رسل الله ، لقوله تعالى : « جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا » [ فاطر 1 ] والرسول معصوم لقوله تعالى في تعظيم الرسول : « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » [ الأنعام 124 ] فهذا مجموع الدلائل على عصمة الأنبياء والملائكة عليهم السلام . * * * [ شبهات المخالفين ] واعلم : أن شبهات المخالفين في هذه المسألة كثيرة . ونحن نذكرها إن شاء الله تعالى على سبيل الاختصار : القصة الأولى : قصة الملائكة وللمخالفين فيها شبهات أربع : الشبهة الأولى : التمسك بقوله تعالى حكاية عنهم : « أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ » ؟ [ البقرة - 30 ] فقد احتجوا بها من عشرة أوجه : أحدها : ان قوله : « أَ تَجْعَلُ » ؟ اعتراض . والاعتراض على الله من أعظم الذنوب .