فخر الدين الرازي

79

الأربعين في أصول الدين

السبب ، ان كان حادثا ، كان الكلام في كيفية حدوثه كما في الأول ، فيفضى إلى حدوث أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعة واحدة . وهو محال . وان كان السبب قديما ، فقد أسندتم إلى المؤثر القديم أثرا محدثا . وإذا عقلتم ذلك ، فلم لا يجوز في كل العالم مثل ذلك أيضا ؟ والجواب عن الشبهة الثانية : انا نقول : مؤثرية المؤثر في الأثر ، لا يجوز أن تكون وصفا زائدا على ذات المؤثر ، لأنه لو كان كذلك ، لكانت تلك الصفة مفتقرة في تحققها إلى ذات الموصوف ، فتكون ممكنة في ذاتها ، مفتقرة إلى المؤثر . فتكون مؤثرية المؤثر في تلك المؤثر ، زائدة عليها . ويلزم التسلسل . والجواب عن الشبهة الثانية : ان الامكان لا يمكن أن يكون صفة موجودة . ويدل عليه وجوه : أحدها : انكم سلمتم أن الشيء قبل حدوثه ، ممكن الوجود . فلو كان الامكان صفة موجودة ، لكان اما أن تكون قائمة به أو بغيره . لا جائز أن تكون قائمة به ، والالزام قيام الموجود بالمعدوم . ولا جائز أن نقوم بغيره . لأن صفة الشيء لا يعقل قيامها بغيره . كما أن الحركة التي يكون الجسم موصوفا بها ، يمتنع أن تكون قائمة بغير ذلك الجسم . وثانيها : ان اتصاف الماهية بامكان الوجود ، سابق على اتصافها بالوجود . فلو كان الامكان صفة موجودة ، لزم أن يكون اتصاف الماهية بوجود شيء آخر ، سابقا على اتصافها بوجود نفسها . وثالثها : ان الامكان لو كان موجودا ، لكان مساويا لسائر الموجودات في الوجود ، ومخالفا لها في الماهية المخصوصة . فاذن ماهيته غير وجوده . فاتصاف ماهيته بوجوده . ان كان على سبيل