فخر الدين الرازي

68

الأربعين في أصول الدين

لا تتعلق بالشيء ، الا على وفق العلم . فلهذا السبب تعلقت إرادة اللّه باحداث العالم في الوقت الّذي علم وقوعه فيه ، ولم تتعلق باحداثه في سائر الأوقات . وثالثها : لم لا يجوز أن يقال : ان ذلك الوقت اختص بحكمة خفية ، لأجلها خصص اللّه تعالى احداث العالم بذلك الوقت ، دون سائر الأوقات ؟ وإذا كان هذا الاحتمال قائما ، سقطت هذه المطالبة . ورابعها : ان احداث العلم في الأزل محال . لأن الاحداث عبارة عن جعله موجودا بعد ان كان معدوما . وذلك يستدعى سبق العدم . والأزل عبارة عن نفى المسبوقية بالغير ، فكان الجمع بينهما محالا . وخامسها : ان العالم قبل ذلك الوقت ، ما كان ممكنا ، بل كان ممتنعا ، ثم انقلب ممكنا في ذلك الوقت . وسادسها : ان القادر المختار يمكنه أن يرجح أحد المقدورين على الآخر ، من غير مرجح . كما أن الهارب من السبع إذا عن « 19 » له طريقان متساويان من جميع الوجوه ، فإنه يختار أحدهما على الآخر من غير مرجح ، والعطشان إذا خير بين قدحين متساويين ، فإنه يختار أحدهما على الآخر من غير مرجح . قالت الفلاسفة : لو تأملتم حق التأمل في الحجة التي ذكرتموها لما أوردتم هذه الأجوبة . وذلك لأن حاصل هذه الأجوبة يرجع إلى حرف واحد . وهو : أن كل ما لا بد منه في ايجاد العالم ما كان حاصلا في الأزل .

--> ( 19 ) عرض : أ .