فخر الدين الرازي

61

الأربعين في أصول الدين

الوجه السادس : انا لو تصورنا محدثا حدث مع وجوب أن يحدث لذاته ، قطعنا بأنه لا حاجة به في حدوثه إلى المرجح ، لأنه لما كان مترجحا لذاته ، فالمترجح لذاته وبذاته ، يمتنع استناده إلى المؤثر ، المرجح الخارجي . وأما إذا تصورنا موجودا باقيا واعتقدنا أن الوجود بالنسبة إليه كالعدم ، قطعنا بأنه لا بد له من المرجح . وهذا يدل على أن علة الحاجة هي الامكان لا الحدوث . الوجه السابع : ان المحدث له أمور ثلاثة : الوجود الحاصل في الحال ، والعدم السابق ، وكون هذا الوجود مسبوقا بذلك العدم . فنقول : المحتاج إلى المؤثر ليس هو العدم السابق فإنه نفى محض . وهو مناقض لحصول التأثير . وليس هو أيضا كون ذلك الوجود مسبوقا بالعدم ، فان كون هذا الوجود مسبوقا بالعدم ، أمر واجب لذاته ، ممتنع التغير . والواجب لذاته لا يحتاج إلى المؤثر . فلم يبق الا أن يقال : المحتاج إلى المؤثر ، هو الوجود الحاصل في الحال . فنقول : لا جائز أن يكون المحتاج إلى المؤثر مطلق الوجود ، والا لكان الواجب لذاته ، مفتقرا إلى المؤثر . وهو محال . ولما بطل هذا القسم ، لم يبق الا أن يقال : المحتاج إلى المؤثر ، هو الوجود الممكن . فان الحدوث ساقط عن درجة الاعتبار بالكلية . الوجه الثامن : ان الصفات الخارجة اللازمة للماهية ، كالزوجية للأربعة ، والفردية للخمسة . لا بد وأن تكون ممكنة في نفسها ، لأنه لا يعقل وجود هذه الصفات على سبيل الانفراد والاستقلال . بل لا يعقل ثبوتها الا عارضة لهذه الماهيات ، وكل ما لا يكون مستقلا بنفسه ، ولا منفردا بذاته . فإنه لا بد وأن يكون ممكنا لذاته ، واجبا لغيره . فاذن هذه اللوازم معلولة بتلك الماهيات ، ثم إن تلك الماهيات قط ، ما كانت خالية عن تلك اللوازم . فان الأربعة لا يعقل أن تكون منفكة عن الزوجية ، والخمسة لا تكون منفكة عن الفردية . فقد ثبت في هذه الصور : استناد الشيء إلى غيره ، مع كون الأثر دائما بدوام المؤثر .