فخر الدين الرازي
59
الأربعين في أصول الدين
حاصلا في ذلك الزمان . ويلزم التسلسل وهو محال . وأما بقاء الشيء على عدمه ، فيمتنع أن يكون وصفا ثبوتيا زائدا عليه . والالزام قيام الموجود بالمعدوم . فلما ثبت أن الانسان قد يريد بقاء الشيء ، وثبت أن بقاء الشيء نفس ذات الشيء ، ثبت : أن الإرادة قد تتعلق بالشيء حال بقاء الشيء . الوجه الثاني من الكلام على ذلك الدليل : انا نعارضه بوجوه أخر من الدلائل : الوجه الأول : ان عدم الفعل ينافي وجوده ، وعدم الفاعلية ينافي حصولها . ومنافى الشيء يمتنع أن يكون شرطا له . فالعدم السابق يمتنع أن يكون شرطا لكون الفعل فعلا ، ولكون الفاعل فاعلا . فاذن كون الفعل فعلا ، وكون الفاعل فاعلا ، ممكن التحقق بدون العدم السابق ، وذلك هو المطلوب . الوجه الثاني : ان الأثر . حال بقائه ممكن الوجود ، فلا بد له من مؤثر . فالشيء حال بقائه مفتقر إلى المؤثر . انما قلنا : ان الأثر حال بقائه ممكن الوجود ، لأن المراد من الا مكان كون تلك الماهية في نفسها قابلة للعدم والوجود ، وكونها في نفسها غير متأبية من الأمرين فتلك الماهية من حيث هي . هي ، ان كانت متأبية من قبول العدم ، وجب أن تكون كذلك أبدا . وان كنت هويتها من حيث هي هي ، لا تتأبى عن قبول العدم ، كانت هذه الحالة حاصلة أبدا . فكانت ممكنة أبدا . وأما أن الممكن لا بد له من مؤثر . فهو ظاهر . وإذا ظهرت المقدمتان ، ثبت ان الممكن حال بقائه مفتقر إلى المؤثر . وذلك يقدح في أن الافتقار إلى المؤثر ، لا يحصل الا حال الحدوث . الوجه الثالث : ان الحدوث عبارة عن كون وجود الشيء مسبوقا بعدمه . وهذه المسبوقية صفة من صفات الشيء ، ونعت من نعوته .