فخر الدين الرازي
36
الأربعين في أصول الدين
وإذا قامت الحجة على صحة هذه المقدمة ، فلنرجع إلى المطلوب . فنقول : لو كان السكون أزليا ، لامتنع زواله ، ولا يمتنع زواله . فوجب أن لا يكون أزليا ، بيان الشرطية : انه بتقدير أن يكون أزليا ، فاما أن يكون واجبا لذاته ، أو ممكنا لذاته . فإن كان واجبا لذاته ، ظهر أنه يجب أن لا يزول أصلا . وان كان ممكنا لذاته فالمؤثر فيه اما أن يكون فاعلا بالاختيار ، أو موجبا بالذات . والأول محال . لأن الفاعل « 12 » بالاختيار انما يفعل بواسطة القصد والاختيار . والقصد إلى تكوين الشيء ، لا يتحقق الا عند عدمه ، أو حال حدوثه وعلى التقديرين فكل ما يقع بالفاعل المختار ، كان محدثا . والقديم لا يكون محدثا ، فيمتنع أن يكون المؤثر في وجود القديم فاعلا مختارا . فثبت : أنه لو كان له مؤثر لكان ذلك المؤثر لا بدّ وأن يكون موجبا بالذات . ثم ذلك الموجب ان كان ممكنا عاد الكلام فيه ، وان كان واجبا فإن لم يتوقف تأثيره في وجود ذلك القديم على شرط أصلا ، لزم من وجوب وجود تلك العلة ، وجوب وجود المعلول . فيلزم امتناع العدم على ذلك القديم . وان توقف تأثيره على شرط ، فذلك الشرط لا بدّ وأن يكون المؤثر فيه موجبا بالذات ، وواجبا بالذات ، وإلا عاد المحال المذكور . وحينئذ يلزم من امتناع التغير على العلة ، وعلى شرط العلة ، امتناع التغير على المعلول . فثبت بما ذكرنا : أن كل ما كان موجودا في الأزل ، فإنه يمتنع زواله . وانما قلنا : ان الزوال على السكون جائز . وذلك لأن كل متحيز ، فإنه يمكن خروجه عن حيزه ، وبتقدير خروجه عن حيزه ، فإنه يبطل ذلك السكون . بيان المقام الأول من وجهين : الأول : ان كل متحيز يفرض . فإنه اما أن يكون مركبا أو بسيطا . فإن كان مركبا فإنه لا بدّ وأن يحصل فيه بسائط . فإذا أخذنا بسيطا
--> ( 12 ) المختار : أ