فخر الدين الرازي

354

الأربعين في أصول الدين

الاستغناء من لوازم ذاته ، وترك القبيح من لوازم هذا الاستغناء . وهذا العلم ولازم اللازم : لازم . فترك القبيح من لوازم الذات المخصوصة . وإذا كان كذلك ، كان ترك القبيح أمرا واجبا بالذات ، ممتنع العدم . وإذا كان ترك القبيح أمرا واجبا بالذات ، كان ايصال الثواب إلى المستحق أمرا واجبا ، وجوبا بالذات . لأن تركه لما كان قبيحا ممتنعا بالذات ، كان فعله فعلا واجبا بالذات . فحينئذ يلزم أن تكون ذاته تعالى موجبة لحصول الثواب ووصوله إلى المستحق ، وأن لا يكون قادرا على الترك أصلا . فاثبات الحكمة على هذا الوجه ، يقدح في كونه قادرا ، الا أن الحكمة مفرعة على كونه قادرا . والفرع إذا استلزم فساد الأصل كان باطلا ، فلقول بالحكمة يجب أن يكون باطلا على هذا القول . وأيضا : إذا كان الفعل موقوفا على الداعي ، لزم الجبر ، وإذا لزم الجبر كان الله تعالى فاعلا لجميع أفعال العباد ، بواسطة خلق القدرة والداعي الموجب لها . وإذا كان كذلك ، امتنع أن يقال : انه تعالى لا يفعل هذه الأفعال . وأما القسم الثاني : وهو أن تقولوا : ان كونه تعالى غنيا ، مع كونه عالما بكونه غنيا ، لا ينافي فعل القبيح . ولم يكن بين حصول هذا الفعل وحصول ذلك الوصف منافاة ولا معاندة أصلا ، فحينئذ يتعذر الاستدلال بذلك الوصف على أنه تعالى لا يفعل القبيح ، لأن كل ما لم يكن فيه امتناع ، لم يلزم من فرض وجوده محال ولا فساد . وهذا سؤال صعب على ما ذكروه . واللّه أعلم بالصواب « 4 » . ( تم الجزء الأول . ويليه الجزء الثاني وأوله المسألة السابعة والعشرون في اثبات الجوهر الفرد ) .

--> ( 4 ) في هامش ب : جرت العادة أن يجعل هذا آخر الجزء الأول من الكتاب .