فخر الدين الرازي
343
الأربعين في أصول الدين
المسألة الرابعة والعشرون في بيان أنه تعالى مريد لجميع الكائنات مذهب المعتزلة : ان الإرادة توافق الأمر : فكل ما أمر الله به ، فقد أراده . وكل ما نهى عنه ، فقد كرهه . ومذهبنا : ان الإرادة توافق العلم . فكل ما علم وقوعه فهو مراد الوقوع ، وكل ما علم عدمه فهو مراد العدم . فعلى هذا ايمان « أبى جهل » مأمور به . وهو غير مراد ، وكفره منهى عنه . وهو مراد . لنا وجهان : الحجة الأولى : قد دللنا على أنه تعالى خالق أفعال العباد . وكل من خلق شيئا لا على سبيل الاكراه والالجاء ، فهو مريد لذلك الشيء ، فوجب القطع بأنه تعالى مريد لجميع أفعال العباد . الحجة الثانية : انه تعالى علم من « أبى جهل » أنه لا يؤمن . وقد بينا أن العلم بعدم الايمان مضاد لوجود الايمان . وعند قيام أحد الضدين كان الضد الثاني ممتنع الوجود لذاته . فاذن ايمان « أبى جهل » ممتنع الحصول مع ذلك العلم . وكل المعلومات معلوم لله تعالى . فالله تعالى لا بد وأن يكون عالما بامتناع وجود هذا الايمان . ومن كان عالما بكون الشيء ممتنع الوجود ، استحال أن يكون مريدا لوجوده وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى يمتنع أن يكون مريدا لصدور الايمان عن الكافر .