فخر الدين الرازي

330

الأربعين في أصول الدين

جاءت الحالة الثانية ، فهو في تلك الحالة الثانية مأمور بايقاع الترجيح ، لكن على هذا التقدير لا تكليف عليه في حال الاستواء ، بل أعلمه أنه في الحالة الثانية سيصير مكلفا . وإذا كان كذلك فنحن نقول : عند مجىء الحالة الثانية ، اما أن يكون الحال حال الاستواء ، أو حال الترجيح . ويعود الاشكال المذكور ، واما أن يكون المراد منه : أنه في حالة الاستواء مأمور في هذه الحالة ، بأن يوقع الرجحان في الحالة الثانية . لكن على هذا التقدير يتوجه تكليف ما لا يطاق . لأن ايقاع الرجحان في الزمان الثاني ، مشروط بحصول الزمان الثاني . وحصول الزمان الثاني في الزمان الأول محال ، فكان ايقاع الترجيح في الزمان الثاني عند حصول الزمان الأول ، موقوفا على شرط محال ، والموقوف على المحال محال . فقول القائل : انه كلف حال الاستواء بأن يوقع الترجيح في الزمان الثاني : يكون تكليفا بما لا يطاق . الوجه الخامس : أن نقول : ان شيئا من التصورات غير مكتسب ، فشئ من التصديقات البديهية غير مكتسب ، فشئ من التصديقات غير مكتسب . مع أنه ورد الأمر بتحصيل المعرفة ، فكان هذا تكليفا بما لا يطاق . وانما قلنا : ان شيئا من التصورات غير مكتسب ، لأن من طلب اكتسابه ، فاما أن يكون له شعور بتلك الماهية ، واما أن لا يكون فإن كان له شعور بتلك الماهية ، كان تصورها حاصلا له ، وطلب الحاصل محال ، وان لم يكن له شعور بتلك الماهية ، استحال طلبها ، لأن الغافل عن الشيء ، يمتنع أن يكون طالبا له . فان قلت : انه مشعور به من وجه دون وجه . قلت : الوجه الشعور به مغاير للوجه الغير مشعور به ، فالمشعور به أمتنع طلبه ، لكونه حاصلا ، وغير المشعور به ، امتنع طلبه ، لكونه مغفولا عنه .