فخر الدين الرازي
326
الأربعين في أصول الدين
يستلزم القادرية - عند من يقول : انه تعالى قادر لمعنى - وعلى التقديرين فان نسبة ذاته إلى جميع الممكنات على السوية . فيلزم أن يكون الله تعالى قادرا على جميع الممكنات ، وأن يكون تعالى قادرا على جميع المقدورات ، وعلى مقدورات العباد . إذا ثبت هذا فنقول : ذلك المقدور اما أن يقع بمجموع القدرتين - أعنى قدرة الله وقدرة العبد - واما أن لا يقع بواحدة منهما ، واما أن يقع بإحدى القدرتين دون الأخرى . وهذه الأقسام الثلاثة باطلة ، بعين الدليل الّذي ذكرناه في مسألة التوحيد ، فوجب أن لا يكون العبد قادرا على الايجاد والتكوين . الحجة الرابعة : لو كانت قدرة العبد صالحة للايجاد ، فإذا أراد الله تعالى تسكين جسم ، وقدرنا أن العبد أراد تحريكه . فاما أن يقع المرادان . وهو محال . أو لا يقع واحد منهما . وهو أيضا محال - على ما بيناه في مسألة التوحيد - لأنه خروج عن النقيضين . أو يقع مراد الله تعالى دون مراد العبد « 5 » وهو أيضا محال . لأن وقوع أحدهما ليس أولى من وقوع الآخر ، لأن الله تعالى ، وان كان قادرا على ما لا نهاية له ، والعبد ليس كذلك . الا أن ذلك لا يوجب التفاوت بين قدرة الله تعالى وقدرة العبد ، في هذه الصورة . لأن الحركة الواحدة والسكون الواحد ماهية غير قابلة للقسمة والتفاوت بوجه من الوجوه . وإذا كان المقدور غير قابل للتفاوت ، لم تكن القدرة على مثل هذا المقدور قابلة للتفاوت ، فيمتنع أن تكون قدرة الله على ايجاد هذه الحركة أقوى من قدرة العبد على ايجاد السكون ، بل الله تعالى قادر على سائر المقدورات ، والعبد غير قادر عليها . لكن ذلك التفاوت لا يوجب التفاوت في القدرة على تلك الحركة ، والقدرة على هذا السكون .
--> ( 5 ) أو يقع أحدهما دون الآخر : ب