فخر الدين الرازي

31

الأربعين في أصول الدين

في حيز معين ، من ذلك الخلاء أولى من حصوله في حيز آخر ، فلا جرم وجب فيها أن تكون متحركة من الأزل إلى الأبد . ثم اتفق لتلك الأجزاء أن تصادمت على شكل خاص ، فتمانعت بسبب حركاتها المتدافعة ، فتكونت السماوات بهذا الطريق ، ثم إنها لما استدارت وكان باطنها مملوءا من الأجسام عرض لما كان في غاية القرب من السماوات ، أن تسخن جدا - وهو النار - وعرض لما كان في غاية البعد من السماوات ، أن تكاثف وبرد جدا - وهو الأرض - والّذي كان قريبا من النار ، هو الهواء . والّذي كان أبعد منه هو الماء . لأن الهواء الطف وأسخن من الماء ، ثم اختلطت هذه العناصر الأربعة ، بسبب حركات الأجرام الفلكية ، وتولدت المركبات من المعادن والنبات والحيوان . والفريق الثاني : الذين قالوا : الذوات القديمة ما كانت أجساما فهؤلاء ثلاث طوائف . الطائفة الأولى : الذين قالوا : الأجسام مركبة من الهيولى والصورة . فالهيولى كانت قديمة ، وكانت خالية عن الجسم ، ثم حدثت الصورة الجسمية فيها ، فحدثت الأجسام . والطائفة الثانية : الذين قالوا : العالم انما تولد من امتزاج النور بالظلمة ، وأما الأنوار والظلمات ، فإنها قديمة . وهذا قول الثنوية . والطائفة الثالثة : الذين قالوا : أصل الأجسام : الوحدات . وذلك لأن الوحدة إذا كانت مجردة عن الوضع والإشارة ، كانت مجرد وحدات . وإذا كانت الوحدة مشارا إليها ، صارت نقطة . فإذا تركبت نقطتان ، صار خطا . وإذا تركب خطان ، صار سطحا . وإذا تركب سطحان ، صار جسما . فأصل الأجسام : الوحدات . وهي أمور قديمة قائمة بذواتها . فهذا شرح هذه الأقوال على الاختصار .