فخر الدين الرازي

302

الأربعين في أصول الدين

لنفرض أن هذا التفاوت واقع بمقدار شبر ، فلو كان المانع من الرؤية هذا القدر من التفاوت في البعد ، لكنا إذا جعلنا المرئى أبعد مما كان قبل ذلك بمقدار شبر ، وجب أن لا نراه البتة . لكنا نراه . فعلمنا : أنه ليس السبب في عدم رؤية بعض الأجزاء : ذلك القدر من التفاوت في البعد . الحجة الثانية : إذا نظرنا إلى مجموع كف من التراب ، رأيناه وذلك الكيف من التراب عبارة عن مجموع تلك الذوات وتلك الأجزاء الصغيرة . فاما أن يكون ادراك كل واحد من تلك الذوات مشروطا . بإدراك الآخر ، فيلزم الدور . واما أن لا يكون ادراك شيء منها مشروطا بادراك الآخر ، وحينئذ يكون ادراك كل واحد من تلك الذوات حالتي الانفراد والاجتماع على السوية « 1 » مع أنا نراها حال الاجتماع ولا نراها حال الانفراد . وحينئذ لا يكون الادراك واجب الحصول عند حصول تلك الشرائط . واما أن يكون ادراك البعض مشروطا بادراك الباقي . ولا ينعكس . وهذا محال . ومع أنه محال فالمقصود حاصل . أما أنه محال ، فلأن الأجزاء متساوية فيكون هذا مفتقرا إلى ذاك ، مع أن ذاك غنى عن هذا . وهذا ترجيح من غير مرجح . وهو محال . وأما ان المقصود حاصل ، فلأن ادراك أحد تلك الأجزاء إذا كان غنيا عن ادراك الآخر ، كان حالة عند الاجتماع وعند الانفراد في صحة الادراك على السوية . وحينئذ يعود المحذور . فهذان برهانان قويان في بيان أن عند حصول هذه الشرائط : يكون الادراك غير واجب الحصول . وقولهم : لو لم يجب الادراك ، لجاز أن يكون بحضرتنا جبال وبوقات ، ونحن لا نراها ولا نسمعها .

--> ( 1 ) من هنا ساقط من ا إلى : على وفق ماهية المكشوف