فخر الدين الرازي
283
الأربعين في أصول الدين
الفصل الرابع في بيان أن النظر المقرون بحرف إلى . هل هو موضوع للرؤية أم لا ؟ وقد اختلف الناس فيه . فزعم بعض أصحابنا : أنه للرؤية . وأنكر ذلك بعض المحققين منا ، وجمهور المعتزلة . وقالوا : لفظ النظر موضوع . اما لكون الحدقة مقابلة للمرئي . كما يقال : جبلان متناظران ، أي متقابلان . واما لتقليب الحدقة السليمة نحو المرئى ، طلبا للرؤية . واحتج من قال بأن لفظ النظر المقرون ب « إلى » للرؤية ، بالقرآن والشعر . أما القرآن : فآيتان : الأولى : قوله تعالى : « رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ » والاستدلال به من وجهين : الأول : انه لو كان النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جهة المرئى ، لكان معنى الآية : أرني حتى أقلب حدقتي إلى جهتك . وهذا يتقضى أن يكون موسى عليه السلام قد أثبت الجهة لله تعالى . وذلك باطل . والثاني : انه رتب النظر على الإراءة . والمرتب على الإراءة : هو الرؤية ، لا تقليب الحدقة . فيدل هذا : على أن النظر هو الرؤية . الآية الثانية : قوله تعالى : « أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ؟ » [ الغاشية 17 ] والّذي يفيد معرفة كيفية الخلقة : هو الرؤية . لا تقليب الحدقة .