فخر الدين الرازي

269

الأربعين في أصول الدين

ولقائل أن يقول : ( السؤال الأول ) : صحة الرؤية حكم عدمي ، والحكم العدمي لا يجوز تعليله . وانما قلنا : ان صحة الرؤية حكم عدمي : لأن الصحة حكم عدمي ، وإذا كانت الصحة أمرا عدميا ، كانت صحة الرؤية أمرا عدميا « 1 » . وانما قلنا : الصحة أمر عدمي لوجهين : الأول : الدلائل الكثيرة المذكورة في مسألة حدوث الأجسام ، على أن الصحة والامكان يمتنع أن يكون صفة موجودة . والثاني : ان الصحة لو كانت صفة موجودة ، فلا شك أن العالم قبل وجوده ، صحيح الوجود . وكانت تلك الصحة صفة موجودة أيضا ، فيستدعى موصوفا موجودا . وذلك يوجب القول بقدم العالم . وهو محال . فثبت : أن الصحة ليست صفة ثابتة ، ولا حالة ثبوتية البتة . وانما قلنا : ان الصحة لما لم تكن حكما ثابتا ، امتنع كون صحة الرؤية حالة ثابتة . وذلك لأن صحة الرؤية صحة مخصوصة بكيفية مخصوصية ، ولما كان أصل الصحة غير ثابت ، امتنع أن تكون كيفيتها وصفتها ثابتة ، لامتناع قيام الثابت بالنفي المحض . فثبت : أن صحة الرؤية ليست صفة ثابتة ولا حكما ثابتا . وإذا ثبت هذا ، امتنع تعليل هذه الصحة ، لأن التعليل عبارة عن تأثير أمر في أمر ، والعدم نفى محض وسلب صرف ، فيمتنع أن يكون علة ومعلولا . السؤال الثاني : هب أن صحة الرؤية حكم ثابت ، فلم قلتم : ان كل حكم ، فإنه يجب تعليله . والدليل عليه : اتفاق المتكلمين على أن من الاحكام ما يعلل ، ومنها ما لا يعلل . ولذلك فان صحة المعلومية « 2 » والمذكورية

--> ( 1 ) وجب القول بكون صحة الرؤية حكما عدميا : ب ( 2 ) صحة المرئية والمعلومية : ب