فخر الدين الرازي

252

الأربعين في أصول الدين

الحي متكلما بكلام قائم بالغير : حق وصدق . الا أن الكلام الّذي يشير إليه المعتزلة له معنى ، والكلام الّذي يشير إليه أصحابنا له معنى آخر ، والفريقان لما لم يشتغلوا بتلخيص محل النزاع ، لا جرم خفيت هذه المباحث والمطالب . وأما المقام الرابع : وهو أن كلام الله تعالى واحد ، ومع كونه واحدا ، فهو أمر ونهى وخبر . فتحقيق الكلام فيه : يرجع إلى حرف واحد ، وهو أن الكلام كله خبر ، لأن الأمر عبارة عن تعريف الغير أنه لو فعله ، لصار مستحقا للمدح ، ولو تركه لصار مستحقا للذم . وكذا القول في النهى . وإذا كان المرجع بالكل إلى شيء واحد ، وهو الخبر ، صح قولنا : ان كلام الله تعالى واحد . فهذا مجموع ما تلخص في هذا الباب . واحتج القائلون بحدوث كلام الله تعالى بالمنقول والمعقول . أما الشبه النقلية : فمن وجوه : الشبهة الأولى : ان القرآن ذكر . وكل ذكر : محدث . فالقرآن محدث . وانما قلنا : ان القرآن ذكر ، لقوله تعالى : ص . وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ ص 1 - 2 ] وقوله تعالى : وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ [ الأنبياء 50 ] وقوله تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف 44 ] وأما أن كل ذكر محدث ، ففي سورة الأنبياء : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [ الأنبياء 2 ] وفي سورة الشعراء : وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ [ الشعراء 5 ] . الشبهة الثانية : تمسكوا بقوله تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ : أَنْ نَقُولَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ [ النحل 40 ] وجه الاستدلال به من ثلاثة أوجه :