فخر الدين الرازي

238

الأربعين في أصول الدين

قالت الفلاسفة : هب أن الابصار حالة مغايرة لهذا التأثير . لكن لم لا يجوز أن يقال : هذه الحالة مشروطة بحصول هذا التأثر ، ولما كان الشرط ممتنع التحقق في حق الله تعالى ، كان المشروط أيضا كذلك ؟ أجاب المتكلمون : بأنه لما ثبت أن الابصار حالة مغايرة لهذا التأثر ، فنحن انما نعول في اثبات هذه الحالة للّه تعالى ، على الدلائل السمعية . فان ظواهرها دالة على كونه بصيرا . ونحن متمسكون بالظواهر ، الا إذا أقام الخصم دليلا على أن الابصار مشروط بهذا التأثر ، ولما كان هذا الشرط محالا في حق اللّه تعالى ، كان المشروط أيضا محالا . لكن هذا إشارة إلى المعارضة ، ومن ادعاها فعليه البيان . فهذا هو الكلام في الابصار . وأما الكلام في السماع : فقد قالت الفلاسفة : انه إذا حصل قرع أو قلع ، حصل بسببهما تموج في الهواء . وذلك التموج سبب لحدوث الصوت . وإذا وصل أثر ذلك التموج إلى سطح الصماخ ، أحست القوة السامعة بذلك الأثر ، وذلك الاحساس هو السماع . فالمسموع في الحقيقة هو ذلك الأثر الواصل إلى الصماخ . قال المتكلمون : هذا الكلام باطل ، لأن القوة السامعة ، لو كانت لا تسمع الا ما يصل إلى سطح الصماخ ، لما كان الانسان بقوته السامعة يدرك أنه سمع هذا الصوت من هذا الجانب أو من ذلك الجانب ، لأنه إذا كان لا يحس الا بما وصل إليه ، وجب أن لا يحس بتلك الجوانب ، التي وصل منها ذلك الأثر ، كما أن القوة اللامسة والذائقة لما كانتا لا تدركان الا ما يصل إليهما ، لا جرم لا تدركان الجهة التي وصل منها