فخر الدين الرازي

212

الأربعين في أصول الدين

به . فيكون الاحسان إلى الغير سببا لاستكماله ، وتركه يصير سببا لنقصانه . فيعود المحذور المذكور . الشبهة الثانية لهم : قالوا : لو كان اللّه تعالى مريدا ، لكان مريدا بإرادة محدثة . وهذا محال فذلك محال . أما بيان الملازمة فهو أن القصد إلى الايجاد يمتنع حصوله ، الا عند حصول ذلك الايجاد ، فأما قبل حصول ذلك الايجاد . فذلك لا يكون قصدا إلى الايجاد ، بل يكون ذلك عزما على أنه سيوجد في الوقت الفلاني . لا يقال : لم لا يجوز أن يكون العزم على أنه سيفعل غدا ، يكون نفس القصد إلى الايجاد عند حضور الغد ؟ لأنا نقول : ان من عزم على أن يفعل بكرة الغد ، ثم جلس في بيت مظلم ، لا يميز فيه بين الليل والنهار ، واستمر ذلك العزم في قلبه إلى أن جاء الغد . لكنه لم يعلم مجىء الغد . فإنه لا يصير قاصدا إلى الفعل . ولو كان العزم على الفعل غدا ، يكون عين القصد إلى الفعل عند مجىء الغد ، لصار عند مجىء الغد قاصدا للفعل ، بل إذا كان عازما على الفعل غدا ، ثم أحس مجىء الغد ، تولد من ذلك العزم ، ومن هذا العلم : قصد إلى هذا الفعل . فثبت : أن القصد إلى احداث الفعل ، لا يتحقق الا حال حدوث الفعل . فثبت : أنه تعالى لو كان يفعل الأفعال بالقصد والإرادة ، لكانت إرادة لا محالة محدثة . وانما قلنا : انه يمتنع أن تكون ارادته محدثة ، لأنها لو كانت محدثة لافتقر في خلق تلك الإرادة إلى إرادة أخرى ، فيلزم اما الدور ، واما التسلسل . وكل ذلك محال ، فثبت : أنه يمتنع كونه تعالى مريدا . لا يقال : أليس من الناس من قال : ان علم اللّه تعالى بالمتغيرات