فخر الدين الرازي

203

الأربعين في أصول الدين

النوع السادس من المخالفين : الذين ينكرون كونه تعالى عالما بجميع المعلومات واحتجوا عليه بوجهين : الأول : لو كان عالما بجميع المعلومات ، لكان إذا علم شيئا ، علم كونه عالما به ، وعلم كونه تعالى عالما بكونه عالما . وهكذا في المرتبة الثالثة والرابعة إلى ما لا نهاية له ، فيكون له بحسب كل واحد من المعلومات علوم غير متناهية ، لأنها أمور مترتبة ، لأن المرتبة الثالثة مرتبة على الثانية ، والثانية على الأولى . فإذا حصلت هاهنا مراتب غير متناهية ، لزم حصول أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعة واحدة . وذلك مما ظهر ابطاله في مسألة اثبات العلم بواجب الوجود . لا يقال : لم لا يجوز أن يقال : اثبات العلم بالعالم بالشيء ، هو نفس العلم بذلك الشيء ؟ لأنا نقول : هذا باطل من وجوه : أحدها : ان المعلوم والعلم مما يتغايران ، فوجب أن يكون العلم بالمعلوم مغايرا للعلم بالعلم بذلك المعلوم . وثانيها : انه لو كان العلم بالعلم بالشيء نفس العلم بذلك الشيء . لكان من علم شيئا ، حضر في ذهنه العلم بالعلم ، والعلم بالعلم به . وهكذا هذه المراتب الغير متناهية ولما علمنا بالضرورة : أنه ليس كل من علم الشيء حضر في ذهنه هذه المراتب الغير متناهية ، علمنا : أن العلم بالعلم بالشيء ( هو ) مغاير للعلم بذلك الشيء . وثالثها : انه يمكننا أن نعلمه عالما بذلك الشيء ، وان كنا لا نعلمه عالما بكونه عالما بذلك الشيء . والمعلوم مغاير للمشكوك .