فخر الدين الرازي

200

الأربعين في أصول الدين

الشبهة الثانية : كل ما كان معلوما ، فهو متميز عن غيره . وكل ما له تميز وتخصص وتعين ، فهو ثابت متحقق . وما لا يكون ثابتا ولا متعينا ولا متحققا ، وجب أن لا يكون معلوما . وهذه الأشخاص وصفاتها وأحوالها ، كانت نفيا محضا وعدما صرفا ، قبل دخولها في الوجود . فوجب أن لا تكون معلومة . لا يقال : لم لا يجوز أن يقال : المعدوم شيء وذات . فلا جرم لم يمتنع كونها معلومة ؟ لأنا نقول : القول بأن المعدوم شيء ( هو ) باطل . وبتقدير تسليمه فالثابت في العدم انما هي الذوات والحقائق والماهيات ، أما الذوات بنعت كونها مركبة مؤلفة موصوفة بالأعراض ، فغير ثابتة في العدم بالاتفاق . وإذا كان الأمر كذلك ، وجب أن لا تكون هذه الأشخاص والأحوال معلومة قبل تحققها . الشبهة الثالثة : لو كان عالما بكل ما سيدخل في الوجود . لكان عالما بعدد ما يدخل في الوجود من حركات أهل الجنة وأهل النار ، وكل ما كان عدده معلوما ، كان متناهيا . فيلزم اثبات النهاية لثواب أهل الجنة ، ولعقاب أهل النار . وذلك محال . فعلمنا : أنه تعالى لا يعلم هذه المتغيرات الا عند وقوعها . والجواب عن الشبهة الثانية : انه منقوص بأن كل واحد منا يعلم والقدرة على الايقاع أصل الوقوع . والتبع للشئ لا يكون مانعا من الأصل . والجواب عن الشبهة الثانية : انه منقوض بأن كل واحد منا يعلم أن الشمس غدا تطلع من مشرقها لا من مغربها . وهذا المعدوم معلوم .