فخر الدين الرازي
175
الأربعين في أصول الدين
والثاني : انا لما جربنا أنفسنا وجدنا أنه ما لم يحصل في القلب ميل إلى أحد الطرفين ، لم يترجح ذلك الطرف على الآخر . ومتى صار الميل إلى الحركة ، إلى هذا الجانب وإلى الحركة إلى الجانب الآخر على التساوي ، لم يترجح أحدهما على الآخر . بل بقي الانسان في موضعه الّذي هو فيه ساكنا متحيرا ، إلى أن يظهر المرجح . فحينئذ يحصل الرجحان . فظهر بما ذكرنا : أن القول بأنه يجوز حصول رجحان أحد الطرفين على الآخر ، من غير مرجح باطل وفاسد . وأما القسم الثاني : وهو أنه لا بد في هذا الرجحان من مرجح . فنقول : إذا حصلت المرجحات بأسرها - وهي القدرة التامة ، والإرادة الجازمة الخالية عن الفتور ، والوقت ، والآلة والمصلحة ، وإزالة الموانع العقلية والشرعية . فمع حصول هذه المرجحات . اما أن يكون الترك ممكنا أو غير ممكنا فإن كان الترك ممكنا فمع حصول هذه المرجحات تارة يحصل الفعل وتارة يحصل الترك . فاختصاص أحد الوقتين بالفعل والآخر بالترك ، اما أن يتوقف على مرجح ، لأجله اختص أحد الوقتين بالفعل ، والآخر بالترك ، أولا يتوقف . فان توقف على مرجح ، لم يكن الحاصل الأول مرجحا تاما . وكنا قد فرضناه كذلك . هذا خلف . وأيضا : فلنفرض حصول هذا المرجح . فحينئذ اما أن يكون حصول هذا الفعل في هذا الوقت جائزا ، أو واجبا . فإن كان جائزا ، عاد التقسيم الأول ، وافتقر إلى مرجح آخر . ولزم التسلسل . وهو محال . ولما بطل هذا ثبت : أن الفعل واجب الحصول عند حصول كل المرجحات ، وممتنع الحصول عند اختلال قيد من القيود المعتبرة في الترجيح . وعلى هذا التقدير ، فالقادر حال ما حصلت المؤثرات بأسرها ، يجب عقلا ، أن يصدر عنه الأثر ، ويمتنع أن لا يصدر . وحال ما لم