فخر الدين الرازي
156
الأربعين في أصول الدين
وإذ قد لخصنا هذه المقدمات . فلنرجع إلى ذكر الدلائل : الحجة الأولى : كل ما كان في جهة فاما أن يكون غير محتمل للقسمة ، واما أن يكون محتملا للقسمة . فإن لم يكن محتملا للقسمة ، مع أنه مشار إليه بحسب الحس ، كان في الصغر والحقرة كالجوهر الفرد . والخصوم وافقوا على أنه يجب تنزيه اللّه تعالى عن هذه الصفة . وأما ان كان مشارا إليه مع أنه محتمل للقسمة ، كان جسما مركبا من الأجزاء والأبعاض . وحينئذ يرجع الكلام إلى المسألة الأولى ولهذا أسر اتفق أصحابنا على أن كل من أثبت اللّه تعالى في الحيز والجهة ، لا بد وأن يعترف بكونه مركبا من الأجزاء والأبعاض . واعلم : أن أصحابنا عبروا عن هذه الدلالة بأن قالوا : أو كان في جهة فوق ، لكان اما أن يكون أكبر من العرش ، أو مساويا له . أو أصغر منه . فإن كان أكبر من العرش كان القدر المساوى منه العرش ، مغايرا للقدر الفاضل منه من العرش . فيكون مركبا من الأجزاء والأبعاض ، وان كان مساويا للعرش - وثبت أن العرش منقسم من الأجزاء والأبعاض - كان المساوى له في المقدار منقسما ، مركبا من الأجزاء والأبعاض . وان كان أصغر من العرش ، فاما أن يكون قد بلغ في الصغر إلى أن كان مساويا للجوهر الفرد ، والجزء الّذي لا يتجزأ ، فيكون في غاية الصغر والحقارة - وجل ربنا عن ذلك باتفاق العقلاء - واما أن يكون أكبر من الجوهر الفرد ، ويعود القول بالتركيب والقسمة . واعلم : أن على قول من يقول : كل متحيز فهو قابل للقسمة أبدا ، لا نحتج إلى ذكر هذا التقسيم ، بل نقول : كل ما كان مشار إليه بحسب الحس ، فإنه لا بد وأن يتميز يمينه عن يساره وقدامه عن ورائه وفوقه عن تحته ، فيكون منقسما مركبا من الأجزاء وإلا بعض وذلك مما بينا امتناعه في المسألة السابقة .