فخر الدين الرازي

132

الأربعين في أصول الدين

المسألة الرابعة في أن اللّه تعالى قديم أزلي بأنه سرمدي اعلم : أنا لما دللنا في المسألة الثالثة على وجوب انتهاء جميع الممكنات إلى موجود واجب الوجود لذاته ، وكل ما كان واجب الوجود لذاته فان حقيقته لا تقبل العدم أصلا ، وكل ما كان كذلك ، فإنه يجب أن يكون قديما أزليا باقيا أبديا . فعلى هذا لا نحتاج بعد ذلك إلى إقامة الدلالة على كونه تعالى أبديا . الا أن المتكلمين الذين كانوا قبلنا ، لما لم يذكروا تلك الطريقة في اثبات واجب الوجود ، لا جرم كانوا معولين في اثبات كونه تعالى أزليا أبديا على وجوه أخر ، فنحن أردنا أن نتبرك بايراد تلك الوجوه أيضا . واعلم : أن مشايخ المتكلمين لما أقاموا الدلالة على افتقار العالم إلى صانع . قالوا : صانع العالم ، لو كان محدثا ، لافتقر إلى محدث آخر . ولزم التسلسل . وهو محال . فوجب القول بأن صانع للعالم قديم . فان قيل : الاشكال على هذا الاستدلال من وجوه : الأول : لم لا يجوز أن يقال : خالق هذا العالم المحسوس شيء محدث ، وخالق ذلك المحدث شيء قديم . وعلى هذا التقدير يكون صانع العالم محدثا . ولا يلزم التسلسل أيضا . وهذا هو قول المفوضة وأصحاب الوسائط . ألا ترى أن الفلاسفة يقولون : مدبر ما تحت كرة القمر ، هو العقل . وهذا العقل الفعال معلول عقل آخر ، وذلك العقل