فخر الدين الرازي

12

الأربعين في أصول الدين

فلو أننا أعدنا النظر في « مناهج الأدلة » واكتفينا بالقرآن الكريم ، وبالسنة النبوية المفسرة للقرآن الكريم . أما القرآن فلأن اللّه قال فيه : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا والرسول قد آتى بالقرآن ، وأتى بالسنة المفسرة ، لقوله تعالى في القرآن : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ ، لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ لو أننا اكتفينا بهذين الأصلين العظيمين ، لسهلنا على المسلمين أن يتحدوا وأن يتعاونوا ، ولقللنا من عدد الفرق ، والأحزاب ، ولسهلنا على غير المسلمين الدخول في دين الاسلام . وإذا قل الخلاف وقل الكلام ، كثر العمل ، وعمرت الدنيا ونعم المسلمون بالخير . وقد ارتد نصراني « 1 » من أهل خراسان عن نصرانيته إلى الاسلام ، ثم رجع إلى دينه ، فحمل إلى الخليفة « المأمون » حتى وافاه - « العراق » وسأله عن رجوعه إلى النصرانية . فقال له : أوحشنى ما رأيت من الاختلاف فيكم . فقال له المأمون : لنا اختلافان : أحدهما . كالاختلاف في الأذان وتكبير الجنائز والاختلاف في التشهد وصلاة الأعياد وتكبير التشريق ووجوه الفتيا ، وما أشبه ذلك . وليس هذا باختلاف انما هو تخيير وتوسعة وتخفيف من المحنة . فمن أذن مثنى وأقام مثنى ، لم يؤثم . ومن أذن مثنى وأقام فرادى ، لم يحوب . لا يتعايرون ولا يتعايبون . أنت ترى ذلك عيانا . وتشهد عليه تبيانا . والاختلاف الآخر : كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتابنا وتأويل الحديث عن نبينا ، مع اجماعنا على أصل التنزيل واتفاقنا على عين الخبر . فإن كان الّذي أوحشك هو هذا ، حتى أنكرت من أجله هذا

--> ( 1 ) هذه الرواية في كتاب تاريخ الجدل للشيخ محمد أبو زهرة .