مقاتل ابن عطية

761

أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد

عليه ، ولو كان لتبليغ عموم الصحابة لم يؤخّره إلى غدير خم ، بل كان يقوله في بعض المنازل قبله أو في مكة ، فأمره بالنزول وهو في أثناء السير وانتظار من تخلّف وأمره بردّ من تقدّم ، يدل على أنه لأمر حدث في ذلك الوقت ، مع أنه قال هذا الكلام عقيب الأمر بالتمسك بالكتاب والعترة ، وبيان أنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض الذي هو تمهيد لما بعده ، فدلّ على أنه لأمر أهم من مسألة اليمن . على أننا إنما نستدل بقوله « من كنت مولاه فعليّ مولاه » عقيب قوله « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم » سواء أقال ذلك بمكة أم في غدير خم ، وسواء أقاله عقيب شكايتهم من الإمام عليّ أم لا ، فإنه دلّ على أن الإمام عليّا عليه السّلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، والإمامة والخلافة لا تزيد على ذلك كما مرّ . هذه أهم الإشكالات التي أثارها خصماء ولاية الإمام عليّ والردود عليها ؛ وأما القرائن الكثيرة على إثبات صحة حديث الغدير الدال على إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فإنها وافية - وبحمد اللّه - على إثبات الإمامة ، هذا مع وجود قرائن أخرى يمكن أن يتفطن إليها الباحث المنصف ، وقد اعترف ثلة من علماء العامة على عظمة العترة الطاهرة ، منهم ابن كثير في تاريخه ، قال : « خطب النبيّ خطبة عظيمة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذ وكان يوم الأحد بغدير خم شجرة هناك ، فبيّن فيها أشياء ، وذكر من فضل عليّ وأمانته وعدله وقربه إليه ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه . . ( ثم استشهد بما قاله رسول اللّه منوّها بعترته الطاهرة ) : كأني دعيت فأجبت ، إني قد تركت فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، واللّه مولاي وأنا وليّ كل مؤمن ، ثم أخذ بيد عليّ فقال : من كنت مولاه فهذا وليه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . . » « 1 » . وذكر ابن كثير أيضا عن البراء بن عازب قال : أقبلنا مع رسول اللّه في حجة

--> ( 1 ) البداية والنهاية لابن كثير ج 5 / 158 - 159 .