مقاتل ابن عطية
539
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
أجل تنصيب الخليفة ، كما أن نصرة الولي لهم إنما تكون ببسط معارفه وأحكامه وإنفاذ أمره والأخذ منه لا أن يحبسوه في داره يحصون عليه أنفاسه ، بل يعتدون عليه وزوجه فيضربونها ويجهضونها ويكسرون ضلعها ، ويأخذونه مكبّلا بحمائل سيفه ليبايع ، فأي نصرة حينئذ منه للمؤمنين وهو بهذه الحال ؟ ! وهل من النصرة أن يكون عليه السّلام منكسر البال والخاصر يصيح ويبكي يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ؟ ! ! أم أن النصرة تستدعي أن يكون ذا أنصار يجاهدون بين يديه ، يذبّون عنه الضيم ويدفعون عنه الأذى ، ويبسطون أفكاره وأحكامه ومعارفه ! ! وبالجملة : قد دلت الآية الكريمة على انحصار الولاية باللّه وبرسوله وأمير المؤمنين بأي معنى فسرت به الآية ، وأن ولايتهم من سنخ واحد ، فلا بدّ أن يكون أمير المؤمنين ممتازا على الناس جميعا بما لا يحيط به وصف الواصفين ، فلا يليق إلا أن يكون إماما لهم ونائبا عن اللّه تعالى عليهم جميعا ، لأن معنى نصرة اللّه ونصرة رسوله ونصرة أوليائه إنما هو التدخل في خصوصيات العباد والقيمومة على تصرفاتهم وشؤون حياتهم ، وليس هناك معنى غير هذا المعنى للنصرة ، فلتذهب تأويلات العامة العمياء أدراج الرياح أمام نصرة اللّه ورسوله لوليه الأعظم عليّ بن أبي طالب عليه السّلام . ويشهد لإرادة الإمامة من هذه الآية : إن اللّه تعالى نفى أن يكون لنا وليّ غير اللّه وغير رسوله والذين آمنوا بلفظة « إنّما » ولو كان المراد به الموالاة في الدين لما خص بها المذكورين ، لأن الموالاة في الدين عامة في المؤمنين كلهم ، قال تعالى : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ « 1 » ويشهد لما قلنا : أنّ لفظة « إنما » تفيد التخصيص ، لأن القائل إذا قال : إنما لك عندي درهم ، فهم منه نفي ما زاد عليه ، وقام مقام قوله : ليس لك عندي
--> ( 1 ) سورة التوبة : 71 .