مقاتل ابن عطية
533
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
وكثرة الثواب والخصال الحميدة مستجمعة فيه صلوات اللّه عليه ، أما كثرة الثواب فلظهور أنه مترتب على العبادة ، وبكثرتها وقلتها تتفاوت كمية الثواب والجزاء زيادة ونقصانا ، كما أن سيرته عليه السّلام تشهد على أنه أعبد الكل ، فيكون أكثر مثوبة ، ولو لم يكن له من العبادات إلّا ضربته يوم الخندق التي قال فيها رسول اللّه : « إنها أفضل من عبادة الثقلين » لكفى في إثبات هذا المرام فضلا عن سائر عباداته التي لا يضبطها الدفاتر والصحف ولا تحصيها الزبر والطوامير . وأما الخصال الحميدة والفضائل النفسانية وسائر جهات الفضل فكثيرة جمة يعجز الجن والإنس عن إحصائها ، إذ كل نفس من أنفاسه الطاهرة معجزة وفضيلة ، كانت من اللّه وإلى اللّه تعالى ، ومن كان كله للّه فكيف يمكن إحصاء فضائله ؟ ! من هنا أشار النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى هذا الأمر بقوله كما روى الخطيب الخوارزمي : « لو أن الرياض أقلام والبحر مداد والجن حسّاب والإنس كتّاب ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب عليه السّلام » . السادس : الوصية عند العقلاء . اتفق العقلاء من كل دين حتى عند عبدة الأوثان أن يوصوا بحفظ أمور دينهم ودنياهم بعد مماتهم ، وهذه الوصية مما اقتضتها أحكام الفطرة والعقل والشرع . أما كونها من أحكام الفطرة فلأن البشر مجبولون بالفطرة على أن يشرفوا على أعمالهم بأنفسهم ، ووفقا لما ترتئيه عقولهم وأهواؤهم ، فلا يحب الإنسان أن يشاركه غيره في قراره وما تهواه نفسه ، فهو لا يريد أن يفلت زمام أموره من يده فتكون بيد شخص آخر غريب عنه ، وهذه الرغبة لا تنتهي عند ساعة الاحتضار بل تمتد إلى ما شاء اللّه من عمر الزمن ما دام الإنسان يشاهد آثاره شاخصة بعد الموت ، لذا نراه يوصي إلى غيره لينجز له أعماله التي عجز عن تحقيقها في حياته
--> ذلك من كلامه في شرح الخطبة الشقشقية عند قوله : أرى تراثي نهبا ، وهذا توهم فاسد صدر من ناصب عنيد ، وقد أجاد أستاذه النقيب أبو جعفر حينما قال له : أبيت إلا ميلا إلى المعتزلة . لاحظ شرح النهج ج 12 / 248 .