مقاتل ابن عطية
527
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
وليس معنى الوجوب هنا ، أن أحدا يأمره بذلك - كما ربما يتصور - فيجب أن يطيع ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، بل معنى الوجوب في ذلك هو كمعنى الوجوب في قولك : إنه واجب الوجود « أي اللزوم واستحالة الانفكاك » . فكل ما كان له علاقة بما يبعّد الناس عن المعصية ، وما يقرّبهم من الطاعة ، يجب بضرورة العقل أن يوجده لأنه محصّل لغرضه وهو طاعتهم له وانقيادهم له ، ولو لم يوجده لناقض غرضه ، إذ كيف يأمرهم بطاعته ثم لا يحقق لهم الفرص التي تمكّنهم منها . ووجوب اللطف لا يختص بالأنبياء والمرسلين ، بل يشمل الأوصياء والأولياء المنصوبين والمبعوثين - تماما كالأنبياء والرسل - من قبل اللّه تعالى ، لأن مهام هؤلاء كمهام أولئك بمناط واحد ، لا يختلفون عن بعضهم البعض إلّا في تلقي الوحي التشريعي ، وبحسب قاعدة اللطف وجب كون الإمام معصوما ، وغير الإمام علي عليه السّلام من الثلاثة المتقدمين عليه لم يكن أحد منهم معصوما بالإجماع بين الفريقين ، فيتعين كونه عليه السّلام هو الخليفة الحق « 1 » . وبعبارة أخرى : لمّا اقتضى اللطف الإلهي أن يصطفي اللّه سبحانه الأنبياء لتقريب العباد إلى طاعة اللّه وإبعادهم عن معصيته ، وللوصول إلى الكمال الذي أراده لهم المولى عزّ وجل وهو المعرفة ، استدعى هذا اللطف بعينه أن يستمر إلى ما بعد مرحلة الأنبياء ، بأن يجعل للدين أئمة هم أفضل الخلق وأعرفهم وأعلمهم بحقائق الدين ، لكي يوصلوا النفوس التي لم تكتمل بعد إلى الكمال ويبلّغوا الأحكام المشرّعة التي لم تبلّغ للناس لأسباب خاصة ، ويربّوا من لم يتشرف برؤية النبيّ الأكرم والاستفادة منه ، وليس من المعقول أن يهمل اللّه الأمة ويتركها بدون من يدير شؤونها ، في حين إنّ جميع الناس متساوون من حيث الحاجة إلى من يربّيهم ويعلّمهم ، وجميعهم متكافئون بقاعدة اللطف . فمن البعيد جدا وخلاف الحكمة أن يترك النبيّ أمته بلا راع أو يتركها إلى
--> ( 1 ) للاستفادة أكثر فليراجع الفوائد البهية ج 1 / 413 وج 2 / 60 .