مقاتل ابن عطية

433

أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد

اللهم إلّا أن يقال لمّا كانت المدينة يومئذ مستقر سلطة عمر كان القاطنون بها أقرب إلى الضلال ممن نشأ في مغرس الفتنة ، وقد حمل أصحابنا من العامة على ما يناسب هذا المقام ما روي في فضائل عمر : ما لقيك الشيطان سالكا فجّا إلّا سلك فجا غير فجّك ، وكأنه المصداق لما قيل : وكنت امرأ من جند إبليس فارتقت * بي الحال حتى صار إبليس من جندي وهذه البدعة من فروع بدعة أخرى له ، عدّوها من فضائله ، قالوا : هو أول من عسّ في عمله بنفسه ، وهي مخالفة للنهي الصريح في قوله تعالى وَلا تَجَسَّسُوا « 1 » . وروى عبد اللّه بن بريدة أن عمر خرج ليلا يعسّ ، فإذا نسوة يتحدّثن ، وإذا هنّ يقلن : أي فتيان المدينة أصبح ؟ فقالت امرأة منهنّ : أبو ذؤيب واللّه . فلما أصبح عمر سأل عنه ، فإذا هو من بني سليم ، وإذا هو ابن عمّ نصر بن حجاج ، فأرسل إليه ، فحضر ، فإذا هو أجمل الناس وأملحهم ، فلمّا نظر إليه ، قال : أنت واللّه ذئبها ! يكرّرها ويردّدها ، لا والذي نفسي بيده لا تجامعني بأرض أبدا . فقال : يا أمير المؤمنين إن كنت لا بدّ مسيّري فسيّرني حيث سيّرت ابن عمي نصر بن حجاج ، فأمر بتسييره إلى البصرة ، فأشخص إليها . أقول : يظهر أن الحسد في أعماق عمر جعله يعيش العقدة النفسية من أصحاب الوجوه الحسان ، فلا يمكنه مساكنتهم وهذا دأب الحسود . ذكر المبرّد محمد بن يزيد الثمالي ، قال : كان عمر أصلع ، فلما حلق وفرة نصر بن حجّاج ، قال نصر وكان شاعرا : تضنّ ابن خطّاب عليّ بجمّة * إذا رجّلت تهتزّ هزّ السّلاسل فصلّع رأسا لم يصلّعه ربّه * يرفّ رفيفا بعد أسود جائل

--> ( 1 ) سورة الحجرات : 12 .