مقاتل ابن عطية
335
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
الأدلة العقلية والنقلية على عصمتهم وجلالة قدرهم عمّا يظنون بهم ، ولا يرضون بمثله في عمر بن الخطّاب ، مع عدم الدليل على عصمته ، واشتمال كتبهم ورواياتهم على جرائره ، ولو جانبوا الاعتساف لم يجعلوه أجلّ قدرا من أنبياء اللّه . ثانيا : إن الطعن ليس مقصورا على سوء الأدب والتعبير بالعبارة الشنيعة ، بل به وبالردّ لقول الرسول والإنكار عليه ، وهو في معنى الردّ على اللّه عزّ وجلّ والشرك به ، وإن كان أحسن الألفاظ وأطيب العبارات . وأما قصة صلح الحديبية « 1 » التي أشار إليها ابن أبي الحديد وغيره من الرواة فليس الطعن فيها بلفظ يشتمل على سوء الأدب حتى يجري فيه تأويل ، بل بالإنكار لقول الرسول وعدم تصديقه بعد قوله : « أنا رسول اللّه أفعل ما يأمرني به ولن يضيّعني » وهو إما تكذيب صريح للرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لو لم يصدّقه في قوله ذلك ، أو تقبيح صريح لما قضى اللّه به لو صدّق الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . روى مسلم في كتاب الجهاد والسير عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل ، قال : قام سهل بن حنيف يوم صفّين فقال : أيّها الناس ! اتّهموا أنفسكم ، لقد كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يوم الحديبية ، ولو نرى قتالا لقاتلنا ، وذلك في الصلح الذي كان بين رسول اللّه والمشركين ، فجاء عمر بن الخطّاب ، فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال : يا رسول اللّه ! ألسنا على حق وهم على باطل ؟ قال : بلى ، قال : أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى ، قال : ففيم نعطي الدّنية في ديننا ، ونرجع ولمّا يحكم اللّه بيننا وبينهم ؟ فقال : يا ابن الخطّاب ! إني رسول اللّه ولن يضيّعني اللّه أبدا . قال : فانطلق عمر فلم يصبر متغيظا ، فأتى أبا بكر فقال : يا أبا بكر ! ألسنا على حق وهم على باطل ؟ قال : بلى ، قال : أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى ، قال : فعلام نعطي الدّنية في ديننا ، نرجع ولمّا يحكم اللّه بيننا وبينهم ؟
--> ( 1 ) رواها البخاري في الصحيح ج 3 / 244 ح 2731 و 2732 باب الشروط في الجهاد ، وابن أبي الحديد في شرح النهج ج 12 / 232 باب سيرة عمر ، وتاريخ الطبري ج 2 / 280 ومجمع البيان ج 9 / 110 والمجلسي في بحار الأنوار وغيرهم من المؤرخين .